تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
فقعد عنده لا يبرح ولا يذهب إلَّا من حيث يراه الراهب إلى أن طوى خمسين يوما . فقال : أزيدك أيضا . فطوى إلى تمام الستين فعجب الراهب منه واعتقد فضله وفضل دينه . وقال : ما كنت أظن أنّ أحدا يجاوز فعل المسيح عليه السلام ولكن هذه أمة تشبه الأنبياء في العلم والفضل ، فكان سبب إسلامه . وممن كان يطوي أربعين يوما إبراهيم التميمي وحجاج بن قرافصة . فأما الثلاثين والعشرين فقد حكي عن عدد كثير منهم : سهل بن عبد الله وجماعة من البصريين . وأما من يأكل في الشهر أكلتين وثلاثة وأربعة فهم كثير من الشاميين والجزريين ، وإن أحبّ المريد أن يقسم فطره قسمين فيأكل رغيفا عند إفطاره في أول الليل فيسكن بذلك جوعه ، ويأكل رغيفا عند السحر يستعين به على صومه فحسن ، وإن أحب عمل في تأخير الإفطار على رياضة ، ووقف عند السحر فلم يجاوزه ، فيكون أكله سحرا فيحصل له بذلك خمسة أشياء جوع النهار للصائم ، وجوع الليل للقائم ، وخلوّ القلب لفراغ المعدة ، ورقة الفكر واجتماع الهمّ لخلوّ القلب ، وسكون النفس للمعلوم فلا ينازعه قبل وقته ، وهذا أوسط الطرقات وأحبها إليّ وهو طريق السائرين . وفي حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة قال : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامكم هذا قط ، وإن كان ليقوم حتى تزلع رجلاه ، وما واصل وصالكم هذا قط غير أنه قد أخر الفطر إلى السحر . وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السحر ، فإن كان المريد يصوم يوما ويفطر يوما ، وهو أعدل طرقات الصيام أيضا ، أكل يوم فطره بعد الظهر وليلة صومه عند الفجر . فإن لم يفعل فليأكل يوم فطره نصف أكله بالأمس فكأنه صائم ، فإن لم يفعل اضطراب جسمه وداخله الفتور في حاله ، ومن لم يكن له معلوم فلا بأس أن يأكل شبعه ثم يتربص حتى ينتهي جوعه ، فعلامة جوعه ، أن لا تختار نفسه الخبز دون غيره من المأكولات ، فإن اختارت نفسه الخبز ففيه بقية من الشبع ، وعلامة شبعه بعد الأكل أن يأكل الخبر البحث على شهوة ، فإذا تاقت نفسه إلى الأدم فقد ابتدأ شبعه ، فإن تخيرت الأدام فهو شبعان . وترك المعلوم في الطعام طريق صوفية البغداديين ، والوقوف مع المعلوم طريقة البصريين . ولما قدم صوفية أهل البصرة على أبي القاسم الجنيد بعد وفاة سهل رحمه الله تعالى قال لهم : كيف تعملون في الصوم ؟ فقالوا : نصوم بالنهار فإذا أمسينا قمنا إلى قفافنا . فقال : آه آه لو كنتم تصومون بلا قفاف كان أتم لحالكم ، أي لا تسكنون إلى معلوم . فقالوا : لا نقوى على هذا ولعمري أنّ طريق البغداديين بترك المعلوم من المطعوم أعلى ، وهو طريق المتوكلين من الأقوياء وطريقة البصريين بالمعلوم ، والتوقيت أسلم من آفات النفوس وأقطع للتشرف والتطلع ، وهو طريق المريدين والعاملين .
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 281 | أبي طالب المكي / باسل عيون السود