تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
ومتملَّق له منه ومن إدلال المحبوبين من المستأمنين مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله كليمه أن يسأله أن يستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين ، واستسقي لهم موسى في سبعين ألفا ، فأوحى الله إلى موسى كيف أستجيب لهم ، وقد أظلمت عليهم ذنوبهم وسرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ، ويأمنون مكري ، ارجع فإن عبدا من عبادي يقال له برخ قل له يخرج حتى أستجيب له . فسأل عنه موسى فلم يعرف . فبينا موسى عليه السلام ذات يوم يمشي في طريق فإذا بعبد أسود استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود في شملة قد عقدها على عنقه ، فعرفه موسى بنور الله فسلم عليه وقال : ما اسمك ؟ فقال : اسمي برخ قال : فأنت طلبتنا منذ حين ، اخرج فاستسق لنا . قال : فخرج فقال في كلامه : ما هذا من فعالك وما هذا من حلمك . فما هذا الذي بدا لك ؟ أنقصت عليك غيوثك . أم عاندت عن طاعتك الرياح ، أم نفد ما عندك ، أم اشتد غضبك على المذنبين ، ألست كنت غفارا قبل خلق الخاطئين خلقت الرحمة ، وأمرت بالعطفة فتكون لما تأمر من المخالفين ، أم ترينا إنك ممتنع ، أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة ؟ قال فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر وأنبت الله العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب . قال : فرجع برخ . قال : ففي هذا ذكري الراجين ، وأنس المشتاقين ، وطمع للعالمين ، وتحبّب إلى المطيعين ، هذا كما قال بعض العارفين : الحبيب لا يحاسب والعدو لا يحسب . وروي عن الله سبحانه أنه أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على الهلكة : كم من ذنب واجهتني به غفرته لك قد أهلكت في دونه أمة من الأمم ، وقد اشترك عبدان في اسم المعصية ثم تباينا في الاجتباء والعصمة ، آدم عليه السلام وإبليس لعنة الله عليه ، ثم اجتبى آدم وهذا لما سبق له من الاصطفاء والكلمة الحسني ، وإبليس أبلس من رحمته وأغوى لما سبق له من الشقوة والكلمة السوء ، وقد عاتب الله نبيه على الإعراض عن عبد ، وكره له الإقبال على عبد فقال تعالى : * ( وأَمَّا من جاءَكَ يَسْعى . وهُوَ يَخْشى . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) * [ عبس : 8 - 9 - 10 ] وقال تعالى في الأخرى : * ( أَمَّا من اسْتَغْنى . فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى . وما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ) * [ عبس : 5 - 6 - 7 ] ، وربهما واحد ، وبمثله أمره بالإقبال والسلام على طائفة ، وأمره بالإعراض وترك القعود مع طائفة فقال تعالى : * ( وإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) * [ الأنعام : 54 ] ، * ( واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ ) * [ الكهف : 28 ] ، * ( وإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) * [ [ الأنعام : 68 ] ،