ثبوتا لا إثباتا أو طرحه على الجدار بل ظاهر قولهم عليهم السلام " ما خالف قول
ربنا لم أقله ( 1 ) و " ما خالف كتاب الله فهو زخرف وباطل ( 2 ) " صدور المخالف ولا
يكون إلا المخالف في مقام الاثبات فالأوجه مع صدق المخالفة على المتنافيين
من حيث العموم والخصوص للقطع بصدورها وإباء هذه الأخبار عن التخصيص
خصوصا فيما ورد في الخبرين المتعارضين من الترجيح بموافقة الكتاب فان
معارضة الخبرين بنحو العموم والخصوص ليس من المخالفة الموجبة لتحير
السائل الموجب للسؤال عن العلاج .
" في الدوران بين النسخ والتخصيص "
قوله : فيما إذا كان العام واردا الخ : ولم يكن كاشفا عن اقتران العام
بالخاص وإلا لم يكن من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة .
نعم اقتران جميع العمومات بالقرائن الدالة على إرادة الخصوصيات بعيد .
قوله : وإلا لكان الخاص أيضا مخصصا له الخ : إذ الحكم العمومي هو
المراد الجدي لمصلحة اقتضته ولا دلالة للعام على كون مضمونه مرادا جديا
منبعثا عن المصالح الواقعية الأولية ، فما عن شيخنا العلامة الأنصاري في بعض
تحريراته ( 3 ) من كون مقتضى الأصل المؤسس في باب الألفاظ كون المضمون
مرادا جديا لا يجدي في حمل المضمون على كونه حكما واقعيا إذ المسلم كونه
مرادا جديا لا كونه منبعثا عن المصالح الأولية ولا يكون بلحاظ انتهاء أحد الحكم
الفعلي بوروده ناسخا فان ارتفاع موضوع ( 4 ) الحكم الظاهري لا يكون من باب
هامش
1 - الوسائل ج 18 ص 79 الحديث 15 .
2 - الوسائل ج 18 ص 79 الحديث 14 .
3 -
4 - وذلك لأن انتهاء أمد المصلحة بوصول الخاص وإن كان يشبه النسخ فيتوهم كونه ناسخا
حيث لا فرق بين أنحاء المصالح وأطوار أمدها وانتهائها إلا أن الفرق بين ما نحن فيه وغيره هو أن
الناسخ كاشف عن انتهاء أمد المصلحة في المنسوخ والخاص هنا بوصوله موجب الانتهاء أمدها لا
كاشف عن انتهاء أمدها واقعا ولذا لا يكون قيام الدليل الاجتهادي على خلاف الأصل العملي ناسخا
للحكم الظاهري وما نحن فيه من حيث فرض امتداد مصلحة الثانوية العرضية إلى وصول الخاص
ويشبه الحكم الظاهري لا من حيث ترتبه على المشكوك بما هو مشكوك ليكون قاعدة مضروبة للثالث .
ثم إنه ربما يدعى أن دوران الأمر بين النسخ والتخصيص وتعين الثاني عند وروده قبل حضور وقت
العمل مترتب على عدم تعقل النسخ قبل حضور وقت العمل وهو مبنى على الخلط بين مفاد القضية
الحقيقية وخارجية فان القضية الحقيقية لا يشترط في صحة جعلها وجود موضوعها في الخارج فلا
معنى لورود الخاص قبل حضور وقت العمل أو بعده .
والجواب أن القضية الحقيقية وإن لم يكن منوطة بوجود موضوعها خارجا لكنها حيث كانت
متكفلة لانشاء الحكم بداعي جعل الداعي فلا محال يتقرب منه الدعوة عند وجود موضوعه وما كان
بهذا الداعي يستحيل منه جعل آخر ولو بنحو القضية الحقيقية بحيث يكون مقتضاه عدم فعلية الحكم
سواء كان العمل موقتا بوقت مخصوص كصوم شهر رمضان ، أو كان وقته حين فعلية موضوعة
باستجماعه لشرايط فعلية الحكم فلا مانع من كون الناسخ والمنسوخ متقارنين زمانا في مقام جعلهما
بنحو القضية الحقيقية وإنما الممنوع كون الناسخ بمضمونه مقتضيا لرفع الحكم في وقته المتمرد له ، أو
عند فعلية موضوعه .
ثم إن الوجه عند دوران الأمر بين التخصيص والنسخ هو الأول لأن ظاهر الخاص مثل قوله " لا تكرم
العالم الفاسق " هو حرمة اكرام العالم الفاسق في الشرع وأنه حكم إلهي في شريعة الاسلام لا أن مدلوله
أنه حكم شرعي من هذا الحين وإن كان فعلية من الحين وحيث أنه أظهر " من أكرم العلماء " فلذا يقدم
عليه ويخصصه ، وأما تقديمه عليه إما من جهة عدم جريان أصالة عدم النسخ في نفسه فيبقى أصالة
العموم وحدها فيخصصها الخاص وإما من جهة حكومة أصالة العموم على أصالة عدم النسخ ففيه بحث
إما عدم جريان أصالة عدم النسخ في نفسه فلان العام له ظهور في شمول الحكم لا فراده فقط وليس
استمراره قيدا له ملحوظا بلحاظه لأنه متأخر عن ثبوت الحكم لموضوعه فكيف يعقل أن يؤخذ قيدا
للثابت لموضوعه . وفيه أن شمول الحكم في القضية الحقيقية الكلية لجميع الأفراد المحققة الوجود
والمقدرة الموجود كاف في ثبوت الحكم في الأزمنة المتأخرة لأن من جملة الافراد المقدرة لوجود
في الأزمنة المتأخرة فنفس ثبوت الحكم لجميع الافراد المقدرة الوجود كاف لبقاء الحكم في الأزمنة
المتأخرة من دون حاجة إلى أصل لفظا اخر .
وأما بالإضافة إلى الافراد التي يمر عليها الزمان المتقدم والمتأخر فشمول الحكم لها وإن كان لا
يجدى في بقائه إلى الزمان المتأخر إلا أن الملاحظة الأفراد مطلقه غير مقيدة بما هي في الزمان الخاص
وترتيب الحكم عليها يوجب سريان الحكم إلى الافراد في جميع أطوارها ، ومنه تبين صحة كون أصالة
عدم النسخ أصلا لفظيا مدلولا عليه بنفس الدليل المتكفل لحكم الأفراد .
وأما حكومة أصالة العموم على أصالة عدم النسخ فتقريبه أن الشك في ناسخية الخاص
ومخصصيته ناش عن الشك في تقيد موضوع وجوب الاكرام مثلا بغير الفاسق ومع أصالة الاطلاق في
العام والحكم بعدم تقييده يرتفع الشك المزبور ، ولا يجرى الأصل المذكور ، وفيه إما على فرض
الناسخية بالإضافة إلى الافراد المقدرة في الأزمنة المتأخرة فقد عرفت أن مجرد أصالة العموم كاف في
شمول الحكم لها فلا اثنينية حتى يتصور هناك حاكم ومحكوم ، وإما بالإضافة إلى الافراد التي يمر عليها
الزمانان فقد عرفت أن مرجع أصالة عدم النسخ إلى إطلاق الموضوع من حيث الزمان الذي يمر عليه
وهذا غير إطلاقه من حيث تقيده بغير الفاسق فهنا إطلاقان وفى قبالهما ما هو صالح لتقييد كل من
الاطلاقين على السوية فلا بد من مخصص ومرجح لتعين التقييد لأحدهما بالخصوص . لا يقال تقييد
الاطلاق من حيث الفسق يوجب خروج الفاسق من الأول فلا يبقى مجال لأصالة عدم النسخ في مورد
الخاص لأنا نقول عدم شمول الحاكم للفاسق من الأول لا يوجب مخالفة الظهور من حيث الاستقرار بل
عدم الاستمرار بعدم موضوعه فظهوره الاطلاقي في استمرار الحكم الثابت للموضوع محفوظ فتقييد
كل واحد من الاطلاقين يلازم سلامة الآخر وانحفاظه في نفسه فلا بد من معين فتدبر تمت بعون الله
تعالى شأنه العزيز .