تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الدراية في شرح الكفاية ( ط . ق ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
بالفعل بما هو بل بمباديه الاختيارية أيضا فلا مجال لأن يقال بعده الاختيارية لوجوب الصدور . ومما ذكرنا يتضح فساد ما ربما يتوهمه الجاهل من أن مسبوقية الفعل بالإرادة وجدانية فيرجع النزاع إلى أن العدلي يسمى هذا الفعل بالاختياري دون الجبري فالفراغ من التسمية ( وجه وضوح الفساد ) أن كل سابق لا يجب أن يكون مؤثرا في اللاحق فمجرد تسليم الطرفين بسبق الإرادة لا يرفع النزاع عن البين فلا تغفل . وأما لا بدية صدور الفعل بالاختيار وانقلاب الأمر على الجبري فهو أجنبي عن جواب هذا الأشكال بالخصوص ، ولا يصح حمل اللابدية في المتن على اللا بدية من حيث فرض توسط الإرادة ، وذلك لأن لازم عدمه الخلف لا تخلف المراد عن إرادته تعالى . توضيحه أن الإشكال تارة في وجوب الفعل بإرادة الباري ، وأخرى في وجوب الفعل بإرادة الفاعل ، وثالثة في وجوب نفس الإرادة . والأول ما توهمه الأشعري وقد عرفت أن الفعل لم يتعلق به إرادة الباري بما هو هو بل به بمباديه الاختيارية ، والثاني : مندفع بأن وجوب الفعل بالإرادة تؤكد إراديته . ودعوى لزوم بقاء الإرادة ( 1 ) على حال بحيث لو شاء فعل ولو لم يفعل ،
هامش
1 - ربما يقال ( القائل المحقق النائيني ) لابد من عدم علية الإرادة بنحو لا ينفك عنها الفعل وإلا لم تكن العضلات منقادة للنفس في حركاتها مع أن النفس تام التأثير وجدانا في العضلات ولا مزاحم لها في سلطانها وتأثير النفس في عضلاتها هو اختيارها فالاختيار مرتبة أخي بعد الإرادة وهو مناط اختيارية الأفعال وهو فعل النفس وعليتها وتأثيرها وحيث أنه عين الاختيار فلا يحتاج إلى أمر آخر يكون به الاختيار فعلا اختياريا ( وتوهم ) كونه ( أي الفعل ) ممكنا وحادثا فيحتاج إلى علة تامة فيكون ترتبه عليها ترتبا قهريا نظير ترتب الفعل على الإرادة قهرا . مدفوع بالفرق بين الفعل الاختياري وغيره من الممكنات فان الفعل الاختياري لا يحتاج إلا إلى فاعل مع وجود المرجحات لاختيارها من دون حاجة إلى علة تامة بخلاف ما عداه فإنه موقوف على العلة التامة . والجواب ان الالتزام بالفعل النفساني المسمى بالاختيار أما لأجل تحقيق استناد حركة العضلات إلى النفس حتى تكون النفس فاعلا ومؤثرا في العضلات بخلاف ما إذا استندت حركة العضلات إلى صفة النفس وهي الإرادة فان المؤثر فيها هي تلك الصفة لا النفس ، وأما لأجل أن الإرادة حيث أنها صفة قهرية منتهية إلى الإرادة الأزلية توجب كون الفعل المترتب عليها قهريا غير اختياري فلابد من فرض فعل نفساني هو عين الاختيار لئلا يلزم كون الفعل بواسطة تلك الصفة القهرية قهريا ، فإن كان الأول ففيه أن العلة الفاعلية لحركة العضلات هي النفس بواسطة اتحادها مع القوى والعلم والقدرة والإرادة مصححات لفاعلية النفس وبها تكون النفس فاعلا بالفعل والفعل مستند إلى النفس وهي العلة الفاعلية دون شرائط الفاعلية كما في غير المقام فان المقتضى يستند إلى المقتضى دون الشرائط وإن كان له ترتب على المقتضى وشرائطه فمن هذه الحيثية لا حاجة إلى فعل نفساني يكون محققا للاستناد ، وإن كان الثاني ففيه أن هذا الأمر المسمى بالاختيار إن كان عين تأثير النفس في حركة العضلات وفاعليتها لها فلا محالة لا مطابق له في النفس ليكون أمر أما وراء الإرادة إذ ما له مطابق بالذات ذات العلة والمعلول وذات الفاعل والمفعول وحيثية العلية والتأثير والفاعلية انتزاعية ولا يعقل أن يكون لها مطابق ، وإن كان أمرا قائما بالنفس . فنقول أن قيامه بها قيام الكيف بالمتكيف فحاله حال الإرادة من حيث كونه صفة نفسانية داخلة في مقولة الكيف النفساني فكل ما هو محذور ترتب حركة العضلات على صفة الإرادة وارد على ترتب الحركات على الصفة المسماة بالاختيار فإنها أيضا صفة تحصل في النفس بمباديها قهرا فالفعل المرتب عليها كذلك ، وإن كان قيامه بها قيام الفعل بالفاعل لا قيام الكيف بالمتكيف ( ففيه أولا ) أن النفس بما هي مع قطع النظر عن قواها الباطنة والظاهرة لا فعل لها وفاعلية النفس لموجودات عالم النفس التي مرت سابقا هو إيجادها النوري العقلاني في مرتبة القوة العاقلة أو الوجود الفرضي في مرتبة الواهمة أو الوجود الخيالي في مرتبة المتخيلة كما أن استناد الأبصار والاسماع إليها أيضا بلحاظ أن هذه القوى الظاهرة من درجات تنزل النفس إليها ومن الواضح أن الإيجاد النوري المناسب لإحدى القوى المذكورة أجنبي عن الاختيار الذي جعل أمرا آخر مما لا بد منه في كل فعل اختياري ( بداهة ) أن النفس بعد حصول الشوق الأكيد ليس لها الاهيجان بالقبض والبسط في مرتبة القوة العضلانية ( ثانيا ) أن هذه الفعل لنفساني المسمى بالاختيار إذا حصل في النفس فان ترتب عليه حركة العضلات بحيث لا تنفك الحركة عنه كان حال الحركة وهذا الفعل النفساني حال الفعل وصفة الإرادة فما المانع عن كون الصفة علة تامة دون الفعل النفساني وكونه وجوبا بالاختيار مثل كونه وجوبا بالإرادة ( وثالثا ) أن الاختيار الذي هو فعل نفساني إن كان لا ينفك عن الصفات الموجودة في النفس من العلم والقدرة والإرادة فيكون فعلا قهريا لكون مباديه قهرية لا اختيارية وإن كان ينفك عنها وأن تلك الصفات مرجحات فهي بضميمة النفس الموجودة في جميع الأحوال علة ناقصة ولا يوجد المعلول إلا بعلته التامة ( وتوهم ) الفرق بين الفعل الاختياري وغيره من حيث كفاية وجود المرجح في الأول دون الثاني ( من الغرائب ) فإنه لا فرق بين ممكن وممكن في الحاجة إلى العلة ولا فرق بين معلول ومعلول في الحاجة إلى العلة التامة فان الإمكان مساوق للافتقار إلى العلة والمعلول إذا وجد له ما يكفي في وجود المعلول به كان علة تامة له وإذا لم يكن كافيا في وجوده فوجود المعلول به خلف فتدبره فإنه حقيق به ( ورابعا ) أن الفعل المسمى بالاختيار إن كان ملاكا لاختيارية الأفعال وإن ترتب الفعل على صفة الإرادة مانع عن استناد الفعل إلى الفاعل لكان الأمر في الواجب تعالى كذلك فان الملاك عدم صدورها عن اختيارها لا انتهائه الصفة إلى غيره مع أن هذا الفعل المسمى بالاختيار يستحيل أن يكون عين ذات الواجب فان الفعل يستحيل أن يكون عين فاعله فلا محالة يكون قائما بذاته قيام الفعل بفاعله صدورا فإن كان قديما بقدمه كان حال هذا القائل حال الأشعري القائل بالصفات القديمة القائمة بذاته الزائدة عليها وان كان حادثا كان محله الواجب فكان الواجب محلا للحوادث فيكون حاله حال الكرامية القائلين بحدوث الصفات ويستحيل حدوثه وعدم قيامه بمحل فان سنخ الاختيار وليس كسنخ الافعال الصادرة عن اختيار من الجواهر والاعراض حتى يكون موجودا قائما بنفسه أو قائما بموجود آخر بل الاختيار يقوم بالمختار لا بالفعل الاختياري في ظرف وجوده وهو واضح . وأما وما ورد في باب المشية الفعلية التي هي عين الوجود الإطلاقي المنبسط على الماهيات والمراد من الأشياء هي الموجودات المحدودة ومن البين أن الوجود المنبسط الذي هو فعله الإطلاقي تعالى ما به موجودية الموجودات الخاصة وليس لما به الوجود ما به الوجود وبالجملة فهذه المشية الفعلية عين الإحداث والإيجاد كالعلم الفعلي في قبال العلم الذاتي فافهم جيدا . ( منه ) .