والذي يدل على ما عليه المشهور من الكراهة هو جمع الأخبار الواردة في المقام وحمل بعضها على بعض على ما تقتضيه الصناعة ، فإن الأخبار الواردة في الباب على طائفتين .
فمنها ما بظاهره النهي عن الأكل والشرب كصحيحة الحلبي عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال « إذا كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ » ومفهوم صحيحة زرارة قال « الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يده ويمضمض وغسل وجهه وأكل وشرب » وخبر المناهي عن النبي ( ص ) نهى عن الأكل على الجنابة وقال :
« أنه يورث الفقر » وخبر السكوني عن الصادق ( ع ) « لا يذوق شيئا حتى يغسل يده ويتمضمض فإنه يخاف عليه من الوضح والوضح بالتحريك البرص »
ومنها ما بظاهره يدل على الجواز كموثق ابن بكير عن الجنب يأكل ويشرب ويقرء القرآن ؟ قال « نعم يأكل ويشرب ويقرء ويذكر ما شاء » وصحيحة عبد الرحمن قال قلت لأبي عبد اللَّه ( ع ) : أيأكل الجنب قبل أن يتوضأ ؟ قال « أنا لنكسل ولكن ليغسل يده فالوضوء أفضل » قال في الوافي « إنا لنكسل » هكذا يوجد في النسخ ، ويشبه أن يكون مما صحف وكان « أنا لنغتسل » لأنهم ( ع ) أجل من أن يكسلوا في شيء من عبادة ربهم جل وعز
أقول : وكيف كان فيدل على جواز أكل الجنب قبل الوضوء كما لا يخفى ، ولا يخفى إن مقتضى الصناعة في هاتين الطائفتين هو حمل الطائفة الأولى التي ظاهرة في الحرمة على الكراهة بقرينة الطائفة الثانية الصريحة في الجواز ، مضافا إلى ما في الطائفة الأولى من التأييد في حملها على الكراهة ، مثل التعليل بأنه يورث الفقر في خبر المناهي ، وأنه يخاف عليه البرص في خبر السكوني ، وبهذا يبطل ما نسب إلى الصدوق وما مال إليه في المدارك ، مع ما في الأخير من الوهن في اقتصاره في نقل النصوص على صحيح زرارة وصحيح عبد الرحمن ، ثم الإشكال في الحكم بالكراهة بعدم دلالتهما عليها ، أصلا فكأنه ( قده ) لم يعتن إلى غيرهما من الاخبار المتعرضة للنهي لضعف سندها عنده ، مع ما عرفت باشتمالها على الصحاح كصحيحة الحلبي المتقدمة . مع أن صحيحة زرارة
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى — صفحة 165
مساهمون: الشيخ محمد تقي الآملي
ص١٦٥