أما ثبوت نجاسة الماء أو غيره بالعلم الوجداني بعد عدم أخذ العلم بها موضوعيا بل كونه طريقا إلى الواقع فهو ضروري بل العلم بالشيء ليس إلا إحرازه وإثباته لا انه طريق إلى الإثبات وليست طريقيته قابلة للجعل التشريعي إثباتا أو نفيا وبعد العلم بنجاسة شيء لا يبقى الا ترتيب الأحكام المترتبة على نجاسته عند العلم بأحكامها وهذا ظاهر . وأما البينة على النجاسة فالمشهور ثبوتها بها . بل في الجواهر انه لم يجد فيه خلافا الا ما يحكى عن القاضي وظاهر عبارة الكاتب والشيخ والمحكي عن القاضي في الاستدلال لعدم اعتبارها في إثبات النجاسة هو ان الطهارة معلومة بالأصل وشهادة الشاهدين لا تفيد الا الظن فلا يترك لأجله المعلوم وفيه من الوهن ما لا يخفى لأن الطهارة المعلومة بالأصل طهارة ظاهرية ثابتة للشيء المشكوك طهارته واقعا وعلى تقدير اعتبار البينة في إثبات النجاسة الثابت بها نجاسة واقعية وبعد إثبات النجاسة الواقعية بالبينة لا يبقى شك في الطهارة الواقعية حتى يعمل بدليل الأصل بالطهارة الظاهرية فدليل اعتبار البينة بهدم موضوع الطهارة الظاهرية ولو حكما الموجب لارتفاع حكمه الذي هو الطهارة الظاهرية بزوال موضوعه وهذا معنى حكومة دليل اعتبار البينة على الأصل .
وبما ذكرناه يظهر فساد الاستدلال لهذا القول بما يدل على قاعدة الطهارة عند الشك في الطهارة الواقعية : مثل قوله كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر . وقوله ( ع ) الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر . ومثل قول علي ( ع ) في رواية حفص بن غياث ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم فإن شيئا منها لا يعارض البينة إذا قام الدليل على اعتبارها في إثبات النجاسة فالعمدة في المقام هو البحث عن دليل اعتبارها . واستدل على اعتبارها في إثبات النجاسة تارة بالعمومات الدالة على اعتبارها في كل مورد على نحو العموم : وأخرى بما دل على اعتبارها في باب النجاسة فمن الأول أمور .
الأول رواية معدة بن صدقة . كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة والمملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر فبيع أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة والتعبير بكلمة ( الأشياء ) الجمع المعرف
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى — صفحة 173
مساهمون: الشيخ محمد تقي الآملي
ص١٧٣