والقواميس اللغوية أو الرجالية وغيرهما قد عرفه علماء المسلمين منذ أمد بعيد ، إلاّ أنّ هذا
الترتيب الحديث في تدوين العلوم والمعارف من ابتكار الغربيين . قال في الذريعة : " إنّ تأليف
الموسوعات في الإسلام كثيرة وقديمة ، ولا يمكن جمعها في عدّة صفحات ، ثمّ قال : وأمّا
تأليف دائرة معارف عامّة بمالها من المعنى اليوم فلم تبرز إلى الوجود في الممالك الإسلامية -
إيران ومصر وتركيا وغيرها - إلاّ في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر " ( 1 ) .
2 - ضرورة الموسوعة :
لا ريب أنّ غريزة حب الاطلاع والكشف عن المجهولات تعتبر إحدى أهم الغرائز التي رُكّبت
في الوجود البشري لتجسّد البعد الروحي في شخصيّته ، شأن الغرائز الروحية الأُخرى كغريزة
حب الخير والكمال وحب الجمال والفن ، وغريزة التدين ، وغيرها من الميول التي تجنح
بالإنسان إلى إرواء تلك الرغبات ، تماماً كما تدعوه غرائزه المادية إلى إشباع حاجاته الجسدية .
ومن الواضح أنّ البشر يتفاوتون - كمّاً ونوعاً - في التأثّر بهذه الغريزة والانبعاث لندائها ، فمنهم
من يستجيب لها قليلاً ومنهم من يستجيب لها كثيراً ، ومنهم من يلبي دعوتها في واحد من
المجالات فيُحرم من المجالات الأُخرى . . ومنهم من يشارك في أكثر من باب من أبواب العلم
والمعرفة كما كان عليه الطراز الأوّل من علمائنا ممن يُسمّون بالموسوعيين . . فكلّ إذن يحمل من
بحر العلم بقدر عزمه ونشاطه .
إنّ الحقيقة التي تأخذ بناصية الجميع وتفرض نفسها واقعاً ماثلاً لا يمكن المحيد عنه هي
أنّ رقعة العلوم والفنون والمعارف قد أخذت بالتشعّب والاتساع والتخصص ، ولا تزال
كذلك مطردة في هذا الاتجاه يوماً بعد آخر ، فالفلسفة التي كانت في يوم من أيّام التأريخ
تعني شطراً عظيماً من العلم - لما تحويه من علوم كان الإنسان القديم محيطاً بها أو بأكثرها -
تفرّق جمعها وتشعّبت حتى صار كل فرع من فروعها تتكفّل بدراسته جامعة من جامعات
العالم اليوم .
هامش
( 1 ) لاحظ الذريعة 8 : 16 .