وقال عروة بن الزبير [ ت = 93 ه ] - وهو الآخر كذلك - : ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا
حتى نشأ فيهم المولّدون أبناء سبايا الأُمم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلّوهم . ويقول الشعبي [ ت = 104 ه ] : ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فخذوا به ، وما كان من رأيهم فاطرحوه بالحش .
وكان الأوزاعي [ ت = 57 ه ] يقول : عليك بآراء من سلف وإن رفضك الناس ، وإيّاك وآراء
الرجال وإن زخرفوا لك القول . وقيل لأيوب السجستاني [ ت = 131 ه ] مالك لا تنظر في الرأي ؟
فقال : قيل للحمار : مالك لا تجتر ، قال : أكره مضغ الباطل . وذكر بكر بن مضر [ ت = 174 ه ]
عمّن سمع ابن شهاب الزهري [ ت = 124 ه ] وهو يذكر ما وقع فيه الناس من الرأي وتركهم
السنن ، فقال : إنّ اليهود والنصارى إنّما انسلخوا من العلم الذين كان بأيديهم حين استقلّوا الرأي
وأخذوا فيه " ( 1 ) .
بيد أنّه بقيت المذاهب الفقهية الأُخرى - على الرغم من ذلك - سارية المفعول في التاريخ
الاسلامي ومتبعة من قبل الناس ، ولم تتوحد في اتجاه واحد يعتمد البيان الشرعي المتمثل في
الكتاب والسنة الشريفة مصدراً للتشريع كما في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهذا الأمر له أسبابه
ومبرّراته التاريخية ، وأهمها :
1 - الموقف السلبي للخلفاء والحكام من المنهج الذي نادى به أهل البيت ( عليهم السلام ) وما كان في
ذلك المنهج من الخطر والتهديد لشرعيّة حكوماتهم ، لا من جهة تأكيد تلك الأحاديث على
مكانة أهل البيت ( عليهم السلام ) وإمامتهم وموقعهم الديني الرفيع فحسب ، بل ومن جهة ما كانت تتضمنها
الأحاديث من توضيح لسيرة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في قيادة الأُمّة وما يتطلبه تصدّر موقع الخلافة
والقيادة الاسلامية من مؤهلات فائقة ودرجات عالية من الورع والتقوى والعلم والكفاءة وغير
ذلك مما كان يفتقده أُولئك الحكام ، وأيضاً ما كانت ترسمه تلك الأحاديث من مسؤوليات
وواجبات صعبة للحكام تجاه الرعية والتي كانت على طرفي نقيض مع ما كان يمارسه أُولئك ،
هامش
( 1 ) تاريخ الفقه الاسلامي : 82 . وانظر : الاحكام 6 : 789 . تاريخ مدينة دمشق 35 : 200 . الثقات ( ابن حبّان ) 9 : 159 .