لأنها تحتوي العنصر القصصي ، والإنسان ميال بطبيعته دائما إلى سماع القصص . وبما أن هذه المقامات كانت موجهة إلى طبقة من المثقفين والبلغاء في بداية أمرها ، فلا غرابة أن « تغلب عليها الصبغة البلاغية » ( 1 ) بيد أن روحها ظلت في الغالب شعبية تغترف من القاع الشعبي وتبرز جوانبه . إنها قصص شعبية على مستوى بليغ غير محنط .
الهمذاني صانع أقصوصة :
والواقع أن بديع الزمان ما إن يخرج عن القالب التقليدي القائم على الكدية ، الساري في معظم مقاماته ، حتى يتبدى رائع اللفتات ، عجيب التفنن . وإذا كان الهمذاني قد وفق في المقامة المضيرية إلى كتابة قصة ، فهو في « المقامة الحلوانية » صانع أقصوصة . ولنزيد الأمر وضوحا نطرح على المتلكئين بين لا ونعم التعريف المتعارف عليه لفن الأقصوصة فنقول : الأقصوصة تقوم على تصوير مشهد عابر ، أو إيراد موقف يتحلى بنكتة شفافة ، أو رسم سلوك قد يصدر عن إنسان في فترة ساخرة حرجة . فالأقصوصة هي لمسة قصصية فنية . أو تخرج مقامة بديع الزمان الحلوانية ( 2 ) عن حدود هذا الضرب القصصي ؟ عاد عيسى بن هشام من الحج ونزل حلوان العراق . ووجد نفسه بحاجة إلى حمام وحجامة ، فأوصى غلامه أن يبحث له عن حل لائق ، بحيث يكون الحمام مريحا والحجام ماهرا غير ثرثار . ومضى عيسى بن هشام إلى الحمام الذي اختاره الغلام وغشيه ، فتناوله رجل هناك ولطخ جبينه بقطعة من طين ثم خرج ، فجاء آخر فدلكه بعنف ، وكان « يصفر صفيرا يرش البزاق » ، ثم صب عليه الماء ، غير أن الأول عاود الدخول فضرب زميله بقبضته في عنقه قائلا له : « يا لكع ما لك ولهذا الرأس وهو لي » . فحيا الثاني زميله بتحية أطيب من تحيته وقال : « بل هذا الرأس حقي وملكي وفي يدي » . فدارت الملاكمة بينهما ، وقصدا بعدها صاحب الحمام ، وزعم كل منهما أنه صاحب الرأس ! « فقال الحمامي : ائتوني بصاحب الرأس أساله ألك هذا الرأس أم له ؟ « . فقاما إلى عيسى بن هشام وقاداه للشهادة . » فقال الحمامي : يا رجل لا تقل غير الصدق ، ولا تشهد بغير الحق ، وقل لي هذا الرأس لأيهما ؟ فقلت : يا عافاك الله هذا رأسي قد صحبني في الطريق ، وطاف معي بالبيت العتيق ، وما شككت أنه لي . فقال لي : اسكت يا فضولي « ، ثم أنب صاحب الحمام خادميه على هذه المنافسة حول هذا الرأس الحقير قائلا : « وهب أنا هذا الرأس لتيس ، وأن لم نر هذا التيس » . فما كان من عيسى بن هشام بعدها إلا أن وضع ثيابه عليه وانسل من الحمام ، وهو يلعن غلامه الذي منح نصيبه من الضرب المبرح . بيد أن صاحبنا لم يكتف بما ناله ، فبعث بغلام آخر يأتيه بحجام ، فجاءه برجل « مليح الحلية في صورة الدمية » . ولكن عيسى اكتشف من ثرثرته ولدى سؤاله الناس عنه ، أنه مختبط ذو جنة ، فينتهي الحال بعيسى بن هشام أنه يقسم بان لا يحلق مهما عاش ! فهذه أقصوصة ، بل أقصوصتان تنمان عن روح مرحة لا نستغرب صدورها عن شخص البديع الذي قال فيه صاحب « يتيمة الدهر » ( 3 ) إنه كان « خفيف الروح ، حسن العشرة ، ناصع الظرف » . وتنتهي الأقصوصة الأولى بخروج عيسى بن هشام من الحمام مهرولا لاعنا غلامه . وهي لمسة فكاهية لا ناجحة . وإذا قلنا الفكاهة لم نقصد بها تلك التي يلقاها القارئ في زاوية من جريدة ، أو على ظهر يوم من « روزنامه » ، والتي يراد بها مجرد الاضحاك في الغالب ، ففكاهة بديع الزمان التي عقدها حول رأس عيسى بن هشام هي فكاهة فنية ، قصد صاحبها إلى صياغتها فانزلها في حبكة حية ، ورمى إلى أن تحرك أعماقنا بمتعة هي وراء الحروف والجدار اللفظي للكلمات . فما الكلمة سوى واسطة ، وربما كانت اللغة جدثا لولا هذه الروح الإنسانية التي تبعث في المفردات قبسا منها ، فنختال أمام ناظرنا وتدب في عروقها الحياة الناشطة .