« المقامة المضيرية » ومقومات القصة :
هذه المقامة المضيرية لا تنطبق عليها كافة الأحكام والخصائص التي تلقاها في أغلب المقامات . فهي تشذ من حيث محتواها ، إذ ليس فيها الكدية المألوفة التي تقوم على ضرب من الاحتيال في سبيل العيش يكون بطله أبا الفتح الإسكندري ، كما هو الحال مثلا في « المقامة القريضية » ، وموضوعها القريض وأهله ، أو « المقامة الأزاذية » والأزاذ نوع من التمور ، أو « المقامة المكفوفية » ، وسميت هكذا لأن أبا الفتح احتال على الناس في هذا المقام بأنه أعمى مكفوف البصر ، إلى ما هناك من مقامات تنزيا بهذا الإطار التقليدي القائم على الخديعة لتحصيل المعاش . ويكون الشاهد على هذه التكدية ، كما درجت العادة غالبا ، عيسى بن هشام الذي يكتشف دائما في النهاية أن المكدي هو أبو الفتح نفسه ، في حين أن الراوية الرئيس في المقامة المضيرية التي نحن بصددها هو أبو الفتح . الفارق الأهم الذي نسعى لإثباته أنه إذا كان الإطار المألوف للمقامة ، الذي نلقاه في الكثرة من هذه المقامات ، هو موضوع خلاف ويحتمل النقاش في ما إذا كان يمت إلى القصة بنسب أو وشيجة ، فان بديع الزمان قد خرج عن هذا الإطار التقليدي في مقامته المضيرية ، وأتى بنسج جديد ليست القصة في الواقع من قماشة بعيدة عن نسجه . فما حظ هذه المقامة من مقومات القصة ؟ بادئ ذي بدء هل توفرت « الحادثة » ، التي هي الخامة الأولى للقصة ، في مقامتنا المعنية ؟ نجيب دون تردد : بلى ، فالحادثة في صلب المقامة المضيرية . ولا ينبغي أن تؤخذ كلمة « الحادثة » بمعناها السطحي ، فالحياة حافلة بالحوادث ، ونحن نتعثر بها في كل منعطف من حياتنا ، وهي ملقاة على قارعة الطريق تصدم الإنسان في كل حين ، ومع ذلك فهذه الحوادث لا يكفي أن يلقيها أي امرئ على الطرس فتغدو أقاصيص ناجحة . الحادثة بتضاعيفها هي الألوان المبعثرة على ملونة الفنان ، فهذه الألوان تستحيل عند الفنان الحق ينابيع جمال ، نغني بها وجودنا الروحي ، وكذا الحادثة تحتاج إلى شحنة إنسانية تبعث في أوصالها دبيب الفن واليقظة . وبديع الزمان في مقامته يخصب العمل أو الحركة بما يضفي على كلامه من نعوت وأوصاف وتشابيه ، كقوله واصفا المضيرة التي نزعت عن الخوان بعد أن حمل عليها أبو الفتح : « ورفعناها فارتفعت معها القلوب ، وسافرت خلفها العيون ، وتحلبت لها الأفواه ، وتلمظت لها الشفاه ، واتقدت لها الأكباد ، ومضى في إثرها الفؤاد » ويقول الهمذاني بعد سطرين من هذا الكلام مصورا ، على لسان أبي الفتح ، التاجر الذي ألحف في دعوته للإسكندري : « ولازمني ملازمة الغريم ، والكلب لأصحاب الرقيم » . ويحدث التاجر أبا الفتح عن زوجه ومهارتها فيقول : « يا مولاي لو رأيتها ، والخرقة في وسطها ، وهي تدور في الدور ، من التنور إلى القدور ، ومن القدور إلى التنور ، تنفث بفيها النار ، وتدق بيديها الأبزار ، ولو رأيت الدخان وقد غبر في ذلك الوجه الجميل ، وأثر في ذلك الخد الصقيل ، لرأيت منظرا تحار فيه العيون » . فهذه النماذج ، التي نكتفي بها للتدليل على حسن تخلص بديع الزمان في تصوير الأشياء ، تبعث في النفس بعض التساؤل . من ذلك أن الهمذاني يعول في مقامته على الوصف دون التحليل . وعلى هذا نجيب بان التحليل في الأدب والاستغراق فيه أمر غير قديم ، وقد نتج هذا الإيغال في سبر طوايا النفس البشرية عن تطور علم النفس الحديث . ثم لا يفوتنا أن هناك نوعا من القصة يدعى « قصة الحادثة » ، أو « القصة السردية » ، وهذه تعتمد على ما يصدر عن الإنسان من أعمال ، أي على الحركة العضوية - بحسب اصطلاح فن القصة . ويبغي الكاتب من هذه الحركة تجسيد الحركة الذهنية ، وهذه الأخيرة « . . . تتمثل في تطور الفكرة العامة نحو الهدف الذي تهدف إليه القصة » . ( 1 ) هذا ، ولربما أبدى قارئ المقامة المضيرية شيئا من الاستغراب لتلاحق الأفعال في سلوك التاجر البغدادي ، مما يبعد عن الحقيقة ، ويجعل الحركة العضوية معقدة العناصر . والحال أن الأدب تعبير عن الواقع ، ولكنه ليس تعبيرا آليا انعكاسيا ، يتم بشكل تلقائي دون معاناة