التهويل بالتعابير المدوية يمكن ان يطمس الحقائق ويلغي الوقائع يقول الدكتور فهمي سعيد في تقديمه للمحاضرين عن صلاح الدين في المركز الثقافي للبحوث والتوثيق في صيدا - يقول فيما يقول وهو بعض ما نشر في « نهار » يوم السب 10 / 3 / 93 :
« وأصحاب الرأي الذي يميل إلى الغض من انجازاته ( صلاح الدين ) جهدوا في اضفاء الطابع العلمي على ملاحظاتهم ، لكن الباحث والمؤرخ المحايد سرعان ما يكتشف أغراضا ذاتية بعيدة المرامي » .
بهذا القول العنيف واجه الدكتور سعد من لا يرون رأيه ، وبهذه الصفة النكراء عرض لهم . ولما كنا نحن لا نميل إلى الغض من منجزات صلاح الدين فقط ، ونرى أن وصفنا بهذا الوصف هو قليل في حقنا وخفيف في أمرنا ، لان حالنا ليس حال ( ميل ) ، بل هي حال توغل واقتحام ، وأقوالنا ليست غضا ، بل هي [ نجريح ] تجريح واتهام ، وما نكتبه ليس ملاحظات بل هو ضربات .
لذلك نرى اننا لسنا مشموليين بمن عناهم الدكتور سعد فقط ، بل نحن فيمن يمكن ان ينالهم من حممه ما هو أغلظ وأعتى ، ويطولهم من لسانه ما هو أفظ وأقسى .
ومن هنا كان علينا ان نواجه الدكتور سعد لا باتهامه ( بالأغراض الذاتية البعيدة المرامي ) فحسب ، بل بالحقائق الناصعة والبراهين القاطعة والحجج الرادعة فنقول :
إذا كان للدكتور فهمي سعد ان يجبه أحدا ، وإذا كان له ان يعنف بالقول فلسنا نحن الذين عليه ان يجبههم ويعنف عليهم ، بل هم المؤرخون الأقدمون الذين لم تطاوعهم أقلامهم للسكوت على ما جرى . واننا لنقدم للدكتور سعد نموذجا منهم هو عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي المعروف بأبي شامة صاحب ( كتاب الروضتين في اخبار الدولتين ) النورية والصلاحية .
هذا الكتاب الذي ألفه صاحبه للإشادة بنور الدين وصلاح الدين ، وملأ صفحاته بما ملأها من المفاخر المدعاة لصلاح الدين ، والمطاعن المزعومة لأعداء صلاح الدين .
هذا الكتاب أبى الله وأبى التاريخ الصحيح الا ان ينطق صاحبه بما كان يود ان لا ينطق به ، فإذا به يسجل ما يمحو كل ما حاول ان يعده حسنات ، ذلك دون ان يدرك خطورة ما سجل ، لأنه في غمرة انبهاره بما يكتب عميت بصيرته عن ادراك هول ما سجل :
يقول أبو شامة في الصفحة 581 وما يليها من الجزء الأول - القسم الثاني من كتابه المطبوع في القاهرة سنة 1962 ما نصه :
« وكان نور الدين قد شرع بتجهيز السير إلى مصر لاخذها من صلاح الدين لأنه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته ، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الفرنج ، ليسير هو بعساكره إلى مصر . وكان المانع لصلاح الدين من الغزو الخوف من نور الدين ، فإنه كان يعتقد ان نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه ، فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم ، وكان نور الدين لا يرى الا الجد في غزوهم بجهده وطاقته ، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو وعلم غرضه تجهز بالسير اليه ، فأتاه امر الله الذي لا يرى » ( انتهى ) .
ومثل هذا القول قال ابن الأثير . على أن ابن العديم وهو ممن الفوا في تمجيد صلاح الدين يتوسع في ذكر ذلك فيقول في الجزء الثاني من كتابه :
« سار الملك الناصر ( صلاح الدين ) من مصر غازيا فنازل حصن الشوبك وحصره ، فطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام ، فلما سمع نور الدين بذلك سار من دمشق ليدخل بلاد الإفرنج من الجهة الأخرى ، فقيل للملك الناصر ( صلاح الدين ) : ان دخل نور الدين من جانب وأنت من هذا الجانب ملك بلاد الإفرنج فلا يبقى لك معه بديار مصر مقام ، وان جاء وأنت هاهنا فلا بد من الاجتماع به ويبقى هو المتحكم فيك بما يشاء . والمصلحة الرجوع إلى مصر ، فرحل عن الشوبك إلى مصر » .
وكرر ابن العديم الرواية في مقام اخر قائلا :
« واتفق نور الدين وصلاح الدين على أن يصل كل منهما من جهة وتواعدا على يوم معلوم ان يتفقا على قتال الفرنج ، وأيهما سبق أقام للآخر منتظرا إلى أن يقدم عليه ، فسبق صلاح الدين ووصل الكرك فحصره . وسار نور الدين فوصل الرقيم وبينه وبين الكرك مرحلتان ، فخاف صلاح الدين واتفق رأيه ورأي أهله على العودة إلى مصر ، ( انتهى ) .
ويمكن تلخيص الموقف بما يلي :
كانت خطة نور الدين فتح جبهتين على الصليبيين : جبهة مصر بقيادة صلاح الدين ، وجبهة الشام بقيادة نور الدين ، وحصر الصليبيين بين الجبهتين ، وبذلك يتم القضاء عليهم .
ويبدو جليا ان صلاح الدين لم يتوقع النصر السريع على الصليبيين لذلك زحف متجها إلى الكرك ، فلما بدت طلائع النصر نكص على عقبيه ، فاضطر نور الدين للرجوع .
اما لما ذا فعل صلاح الدين ذلك ؟ فلأنه يريد ان يستقل بحكم مصر ، فإذا زال الصليبيون توحدت مصر والشام وصار هو تابعا لنور الدين .
لذلك آثر ان ( يحتمي بالصليبيين ) . نعم يحتمي بهم - كما نص على ذلك - أبو شامة وابن الأثير وغيرهما ، - آثر صلاح الدين ان يحتمي بالصليبيين ، وفضل بقاءهم محتلين للبلاد ، فاصلين بين مصر والشام ، - فضل ذلك على هزيمتهم وتوحيد البلدين .
ولم يقدم على حربهم الا بعد موت نور الدين وضمان بقائه مستقلا بالحكم .
وانتصر في حطين وتحررت القدس . ولكن هل كانت معركة حطين حاسمة فانتهت بجلاء الصليبيين عن بلاد الشام وعودهم من حيث أتوا ؟
ابدا لم تكن كذلك فالصليبيون محتلون للبلاد ويتحكمون فيها .
في هذا الوقت كان الخليفة العباسي ( الناصر ) ( 575 - 622 ه ) تمكن من التخلص من تسلط السلاجقة على الخلافة وتحكمهم في أمورها ، واستقل في رقعة كبيرة من البلاد العربية والإسلامية تشمل العراق وقسما من إيران وتركيا وألف فيها جيشا قويا ، فاتجهت انظاره للمعاونة في إنقاذ البلاد الشامية من الاحتلال الصليبي بجيشه القوي .
وكان لا بد له من استئذان صلاح الدين في ذلك .
ولكن صلاح الدين الذي احتمى بالصليبيين من نور الدين راح
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 22
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٢