محاصرة كرمان وفتحها
قاسى « آقا محمد خان » في محاصرة كرمان مشقات كبيرة أفتقد فيها « المجنون الفازوكي » وشجاعته وخفته ورشاقته وبراعته في تسور الأسوار . وذكر ما فعله من ذلك يوم محاصرة طهران . ولكن الفازوكي العاشق المجنون المحارب كان يومئذ يعيش في ظلام دامس ، إذ كان « آقا محمد خان قاجار » قد أعماه قبل مدة ، متهما إياه ، بالحق أو بالباطل ، بالتسلل ليلا إلى غرفة نومه في قلعة طهران لقتله . فلما انطفأت باصرتاه عاد إلى مسقط رأسه « فازوك » في نواحي دماوند وأقام فيها إلى أن مات . ومن روائع الأحداث النادرة المثيل التي وقعت في هذا الحصار تطوع مائة من جند « لطف علي خان زند » لعمل انتحاري أقدموا عليه بمنتهى الرجولة والشجاعة فأفسدوا على « آقا محمد خان » خطة بذل في إنفاذها جهدا عظيما ، وحفظوا سور المدينة من الانخراق ودخول الجند القاجاري إليها . وذلك أن « آقا محمد خان » حفر نفقا من خارج السور لينتهي به إلى أسفل السور حيث يفرغ فيه البارود ثم يفجره فيحدث فجوة في السور يدخل منها إلى المدينة . وكان عملا شاقا مع ما اقتضاه من التكتم والحذر . ولكن « لطف علي خان زند » علم بالخطة فعزم على تفجير النفق قبل الوصول به إلى أساس السور . وهو عمل يقتضي اقتحام الجند القاجاري خارج السور . وكانت خطته أن ينزل بعض جنوده ليلا من أعلى السور على سلالم من الحبال تدلى في الخارج ، ومعهم أكياس من البارود وأسلحة ، فإذا وصلوا إلى الأرض رفعت السلالم ، ومضوا إلى النفق فصبوا فيه البارود ثم فجروه ، على حين يكون فريق آخر من رفاقهم في أعلى السور مصوبين بنادقهم نحو جيش العدو ، فإذا هجم أحد منه على رفاقهم الذين في الخارج رموه بالرصاص ليحموا رفاقهم . وبعد القيام بمهمة التفجير تدلى السلالم مرة أخرى ليعود عليها رفاقهم - إذا عادوا - إلى مواقعهم في داخل السور . وطلب « لطف علي خان زند » متطوعين لهذا العمل الفدائي فتقدم له مائة شاب . وفي ليلة التاسع عشر من شهر صفر سنة 1209 ه ، بناء على قول بعض المؤرخين ، قام هؤلاء الأبطال بهذه المهمة على أكمل وجه . أما الذين عادوا منهم فكانت عدتهم سبعة عشر جنديا فقط وقتل رفاقهم الآخرون وقتل أيضا كل الجنود القاجاريين الذين كانوا داخل النفق حين تفجيره . أما أسامي هؤلاء الأبطال الأفذاذ فقد أغفلها التاريخ سوى أن « غولد سميث » ذكر أن اسم قائدهم « صادق » ويعرف ب « كاكا صادق » ، وكان بين المفقودين ! فكيف يصح هذا الاغفال ؟ ! ألم يكن الأجدر بالمؤرخين أن يحفظوا أسماء هؤلاء العظماء لتبقى قرة عين ومناط افتخار لأعقابهم ؟ ! ولكن مؤرخي الشرق دأبوا على إغفال أسماء مثل هؤلاء الجنود الأبطال في ذكرهم للوقائع الحربية ، ونسبوا مفاخر كل الأعمال الحربية العظيمة إلى أصحاب المناصب العالية . طالت محاصرة « آقا محمد خان » لمدينة « كرمان » حوالي خمسة أشهر ( 1 ) ( من 17 ذي القعدة سنة 1208 هإلى غرة ربيع الثاني سنة 1209 ه ) . ووقع فيها الجوع ومرض [ النيفوس ] التيفوس وكثر الموت فيها جوعا ومرضا وانقطعت عنها المؤن والوقود ، وهي شديدة البرد والوقت يومئذ أوائل الشتاء . وقطع