أما « لطف علي خان زند » فاستاء من جواب « تقي خان » وعزم على مهاجمته ، وكل عسكره عدتهم سبعون وثلاثمائة فارس . وخرج إليه « تقي خان » بجيش من ثلاثة آلاف ، وقيل أربعة آلاف جندي فارس وراجل . ووقعت حرب شديدة اضطر فيها « لطف علي خان زند » إلى التراجع تفاديا للانحصار . ولكن « تقي خان » كان قادرا على محاصرته على نحو آخر في مجال أوسع . إلا أن « لطف علي خان زند » استطاع الافلات ببراعة وخفة وانسل تحت جنح الظلام وخصمه لا يشعر به . وفي الصباح لم يجد له أثرا وهو يحسب أنه أصبح في قبضة يده ! ( 1 ) وبعث « تقي خان » برسالة إلى « الحاج إبراهيم خان كلانتر » ورسالة إلى « آقا محمد خان » يعلمهما بانهزام « لطف علي خان » زند « فأنعم » آقا محمد خان « عليه بلقب » معتمد الديوان « .
معركة خرمن كوه
وانطلق « لطف علي خان زند » إلى نواحي أخرى يستنجد أصدقاء ومعارف له من أمرائها . واستطاع أن يحصل منهم على معونة مالية وعسكرية . وبلغت أخبار ذلك إلى « الحاج إبراهيم خان كلانتر » و « تقي خان » اليزدي و « آقا محمد خان قاجار » . وكان هذا قد ضاق به ذرعا وعزم على القيام بعمل حاسم . فجهز جيشا من سبعة آلاف جندي بين فارس وراجل ، وجعل على قيادته « محمد حسين قوانلو » ، وأمره بتعقب « لطف علي خان زند » أينما كان والقبض عليه وإرساله إليه حيا أو ميتا . فسار « محمد حسين قوانلو » بجيشه إلى شيراز . ومنها سار إلى « أبرقو » في شمال إقليم فارس حيث كان « لطف علي خان زند » مشغولا بتجهيز جيشه للحملة على شيراز . واتبع « آقا محمد خان » جيشه هذا بنجدة أخرى من ثلاثة آلاف جندي بين فارس وراجل . ( 2 ) ولما علم « لطف علي خان زند » بمسير ذلك الجيش إليه رأى أن موقعه في « أبرقو » لا يصلح للمقاومة ، فانطلق منها إلى ناحية « نيريز » . وفي هذه الناحية جبل يعرف باسم « خرمن كوه » وفيه واد يجري فيه نهر . وجانباه مرتقعات عمودية صعبة المرتقى . وطرفاه ضيقان إذا حرسا بقوة مسلحة تعذر الدخول إليه . وقد اختار « لطف علي خان زند » هذا الوادي حصنا يمتنع فيه في محاربته للجيش القاجاري ، فاحتله ورابط فيه . ولكن « محمد حسين خان قوانلو » قائد جيش « آقا محمد خان » دبر خطة بارعة ونفذها بحزم وجرأة ، مستعينا ببعض السكان المحليين الخبيرين بتسلق الجبال ، واستطاع إشغال الجيش الزندي بمناوشات تمثيلية عما يقوم به في الخفاء وظلام الليل من تجهيزات شاقة تمكنه من ارتقاء المرتفعات ثم الهبوط إلى الوادي واحتلاله ، وتفرق جند « لطف علي خان زند » بعد أن أوقع به مقتلة عظيمة . ولكن الأمير الزندي استطاع ، كعادته أن يفلت من أيديهم بتلك الشجاعة النادرة المأثورة عنه . وتعد خطة « محمد حسين خان قوانلو » هذه من أعظم الأعمال العسكرية . وأرسل « محمد حسين خان قوانلو » خبرا بهذا النصر إلى « آقا محمد خان » ، فأنعم عليه بهدية هي إبريق من الذهب وزنه مقدار كيلو غرامين وأربعمائة غرام . وظل هذا الإبريق يتوارثه أبناؤه من بعده إلى زمن « ناصر الدين شاه » فاهدوه إليه أو باعوه إياه . وقيل إن مدة حرب « خرمن كوه » هذه كانت خمسة عشر يوما وقيل كانت شهرا .
السير إلى كرمان
أما « لطف علي خان زند » فذهب إلى مدينة « قاين » وأقام فيها إقامة مؤقتة . ( 3 ) وفي إقامته هذه في « قاين » بدأت المقدمات التي أودت به بعد ذلك . ففيها تقرر مصيره المشئوم حين عزم على الذهاب إلى « كرمان » . فقد عرض عليه ، وهو في « قاين » ، أحد أمراء « سيستان » واسمه « جهانجير خان » أن يكون عونا له وأن ينجده بألف فارس . واقترح عليه أن يجعل من ولاية « كرمان » مقرا لحكمه ، ومنها ينطلق إلى احتلال ولاية فارس . فقد كان الكرمانيون يقاسون ظلما شديدا من حاكمهم « مرتضى قلي خان » المنصوب على ولايتهم من قبل « آقا محمد خان » ومثله معاونه « محمد إبراهيم آقا قاجار » قائد الحامية . وكان « لطف علي خان زند » محبوبا في « كرمان » ، إذ كان عادلا ذا مروءة وشهامة محبا للإصلاح والعمران . والكرمانيون يعرفون فيه هذه الصفات ، ويتمنون أن يكون حكمهم في يده . ولكن الكرمانيين ، من جهة أخرى ، كانوا معروفين في إيران