أحدهما كتاب « الشهاب في الشيب والشباب » وقد جمع فيه موازنا خير ما قيل فيهما ، وبخاصة ما كان من شعر « البحتري » و « أبي تمام » ، و « ابن الرومي » وأخيه « الرضى » ، وما نظمه هو في الموضوع . وثانيهما كتاب « طيف الخيال » وقد جرى التأليف فيه على نسق ما جرى في الأول ، مستطردا أحيانا إلى ما قاله غيرهم من الشعراء . وله مؤلف ثالث باسم « البروق » وأكبر الظن أنه يجرى مجراهما في الموازنة ، إذ أن المرتضى كلف بوصف البرق في شعره كلفه بالموضوعين [ المتقدمخين ] المتقدمين . كما ذكرت الفهارس له مؤلفا آخر باسم « تتبع أبيات المتنبي التي شرحها ابن جني » . وليس للكتابين الأخيرين - فيما انتهى إليه بحثي - وجود في فهارس المكتبات العامة والخاصة ، ولم أعرف أحدا نقل عنهما نصا أو أثرا . على أن كتاب « الأمالي » وحده كاف في تصوير ما حفظ الرجل ووعى من شعر جاء على أكثره بالموازنة والتعقيب . ( 1 ) كما يصح أن ندرج في ضمن كتبه الوصفية « شرح القصيدة المذهبة للسيد الحميري » ، فقد تحدث عن معاني أبياتها ، وشرح أغراضها شرحا لغويا أدبيا أتى على جملة ما في القصيدة من أغراض . ولقد كان في كثير من خواطره النقدية موفقا بارعا ، شهدنا ذلك في تعقيبه على « غريب الحديث » « لابن سلام » ، و « غريب الحديث » ل « عبد الله بن مسلم بن قتيبة » ، وفي مؤاخذاته « للآمدي » في كتابه « الموازنة بين الطائيين » . فمن مأخذه الموفقة ما ورد في كتاب « الشهاب » تعقيبا على الآمدي حين تعرض لأبيات البحتري :
لأنه - الآمدي - قال : معنى يشري : يبيع ، وأراد أن الغبين من باع جديد بياضه بالسواد ، وأراد بالسواد الخضاب فكأنه دم الخضاب . والأمر بخلاف ما ذكره ، وما جرى للخضاب ذكر ، ولا هاهنا موضع للكناية عنه ، ومعنى « يشري » هاهنا : يبتاع ، لأن قولهم « شريت » يستعمل في البائع والمبتاع جميعا ، وهذا من الأضداد ، نص أهل اللغة على هذا ، فكأنه شهد بالغبن لمن يبتاع الشيب بالشباب ، ويتعوض عنه به . وإنما ذهب على « الآمدي » أن لفظة « يشري » تقع على الأمرين المتضادين ، فتحمل ذكر الخضاب الذي لا معنى له هاهنا . . . ( 2 ) ومن مأخذه على الآمدي مأخذه على تفسيره للبيت الأخير من أبيات البحتري الآتية :
فقد فسر الآمدي : « تقعقع من ملة عمده » بان عظام الكبير المسن يجيء لها صوت إذا قام وقعد ، وتسمع لها قعقعة . قال المرتضى : « وما سمعنا بهذا الذي ظنه في وصف ذوى الأسنان والكبر ، والمعنى أظهر من أن يخفى على أحد ، لأنه أراد : من عمر وأسن ، وأول العيش تعجل رحيلة وانتقاله من الدنيا ، وكنى عن ذلك ب » تقعقع العمد « لأن ذوى الخيام والأطناب إذا انتقلوا من محل إلى غيره ، وقوضوا عمد خيامهم ، وسارت بها الإبل ، سمعت لها قعقعة . ومن أمثال العرب المعروفة : » من يتجمع تتقعقع عمده « يريدون أن التجمع يعقب التفرق ، والرحيل الذي تتقعقع معه العمد . ومعنى قوله : « من ملة » يريد من السام والملال ، دون ما ظنه « الآمدي » من أنه تملي العيش . ( 3 ) ومن مأخذه النقدية على « الآمدي » دعوى الأخير أن « أبا تمام » أخذ قوله :