أدبه الوصفي
كان المرتضى ككثير من رجال الفقه والحديث والكلام معنيا بأمر الأدب ، متعاطيا لفنونه - إلى جانب عنايته بثقافته الأخرى - فعد لهذا من خيرة رجاله فهما له ، ونقدا لأصوله ، وإنشاء لضروبه . نعم كان المرتضى من خيرة الأدباء الوصفيين ، تناول بالنقد كثيرا من الشعر والنثر ، وحكم في آثار عدد غير قليل من الشعراء والناثرين ، وتحدث ببراعة وحسن ادراك للجمال وظواهره في حدود ما عرف أو استشف منها آنذاك ، وكانت له لفتات بلاغية تسحق الانتباه ، سجلها أثناء تعقيبه على آي القرآن وعلى الحديث ، كما كانت له آراء تشبه أن يكون قد تفرد بها ، وتعقيبات على معاني الشعر في موازنات لا تقل أصالة عن موازنات الآمدي وأبي هلال العسكري : أ - فمن تلك الآثار البلاغية تعليقه على حذف جواب الشرط ، في قوله تعالى : * ( ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ) ) * بقوله : « وكلام العرب وحي وإشارات ، واستعارات ومجازات ، فان الكلام متى خلا من الاستعارة ، وجرى كله على الحقيقة ، كان بعيدا عن الفصاحة ، بريئا من البلاغة . ب - ومنها تعقيبه على ما يبدو من تناقض التشبيه في قوله تعالى : * ( ( فالقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) ) * وقوله تعالى : * ( ( فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ) ) * بقوله : « إنما شبهها بالثعبان في إحدى الآيتين ، لعظم خلقها ، وكبر جسمها ، وهول منظرها وشبهها في الآية الأخرى بالجان ، لسرعة حركتها ونشاطها وخفتها ، فاجتمع لها مع أنها في جسم الثعبان ، وكبر خلقه ، نشاط الجان وسرعة حركته ، وهذا أظهر في الاعجاز ، وأبلغ في خرق العادة . . . وليس يجب إذا شبهها بالثعبان أن يكون لها جميع خصائص الثعبان ، ولا إذا شبهها بالجان أن يكون لها جميع صفاته . . . فقد تشبه العرب الشيء بغيره في بعض وجوهه ، فيشبهون المرأة بالظبية . . . ونحن نعلم أن في الظباء من الصفات ما لا يستحسن أن يكون في النساء ، وإنما وقع التشبيه في صفة دون صفة ، وفي وجه دون وجه . ( 1 ) ج - ومنها إدراكه لخصائص التعريف باسم الموصول في قوله تعالى : * ( ( فغشيهم من اليم ما غشيهم ) ) * فقد عقب على الآية بذكر جملة وجوه للمفسرين ليس فيها جميعا أثرا لادراك البلاغي ، ثم ذكر رأيه فقال : « ويمكن في الآية وجه آخر لم يذكر ، يليق بمذاهب العرب ، في استعمال مثل هذا اللفظ ، وهو أن تكون الفائدة في قوله تعالى : * ( ( ما غشيهم ) ) * تعظيم الأمر وتفخيمه ، كما يقول القائل : فعل فلان ما فعل ، وأقدم على ما أقدم ، إذا أراد التفخيم ، وكما قال تعالى : * ( ( وفعلت فعلتك التي فعلت ) ) * وما يجري هذا المجرى . قال الهذلي :
« كل ذلك إذا أرادوا تعظيم الأمر وتكبيره » د - وتحدث عن فوائد التكرار في سورة الكافرين ، وسورة الرحمن وغيرهما من السور ، [ فدكر ] فذكر للمفسرين جملة آراء كان كثير منها متكلفا ، ولكنه فضل أن يكون التكرار للتأكيد ، وهو رأى « للفراء » ، ولكنه تبناه وشرحه وجاء له بشواهد شعرية ونثرية . ( 2 ) ه - وتحدث عن الاستعارة الواردة في حديث « تقيء الأرض إفلاذ كبدها مثل الأسطوان من الذهب والفضة . . . » .