ه - في علوم العربية :
أ - في اللغة
- سجل مؤرخو اللغة لهذا القرن طاهرتين مهمتين في حياتها : أولاهما : ضخامة المعجم اللغوي ، وسعة معاني مفرداته ، وذلك بما جد من مفردات اقتبست من البيئات التي دخلتها العربية فظهرت في ألفاظها عن طريق التعريب ، ثم بما جد من علوم إسلامية ، استلزمت مصطلحات خاصة ، واقتضت تجوزا في استعمال الألفاظ لمعان لم يكن للعربية بها سابق عهد ، وانتهت أخيرا إلى أن تصبح حقائق عرفية ، أو حقائق شرعية ، أو حقائق اصطلاحية . أضف إلى ذلك ما دعا إليه « أبو علي الفارسي » وتلميذه « عثمان بن جني » من ضرورة الخروج باللغة من نطاق التوقيف والسماع ، إلى نطاق القياس والاشتقاق . مما لا يخلو من تبرير لدفع الكتاب والشعراء إلى التحرر من ربقة الجمود في الاستعمال . وثانيتهما : تيسر تناول اللغة من معاجمها ، وذلك بما وضع من معاجم مبوبة على حروف الهجاء ، بعد أن كانت مبوبة على مخارج الحروف ، أو منثورة على أساس ما يجمع بين المفردات من معنى . كان للظاهرة الأولى - أعني تضخم اللغة - أثر واضح في نتاج المرتضى ، كما كان للظاهرة الثانية أثر بليغ في حياة اللغة بعد القرن الرابع وذلك بما ألف من معاجم نهجت نهجها في التبويب على حروف الهجاء . لم يؤلف المرتضى كتابا في اللغة ليعد من أعلامها الذين يظفرون بذكر في قائمة أسماء اللغويين ، ولكنه من غير شك أحد أعلام اللغة المبرزين ، وذلك بما وعت كتبه من مفردات لغوية ، تطرق فيها إلى شرحها وتحديد مفاهيمها . كان الرجل من أعلام التفسير والحديث والفقه والكلام كما رأيت ، ولا بد لمن يفسر القرآن بالرأي في أكثر الأحوال من إلمام بالغ بمعاني المفردات القرآنية ، حتى يستطيع أن يختار منها لتفسيره ما يراه ملائما للرأي الذي ذهب إليه ، بل لا بد له من وراء الإلمام بمعنى المفرد اللغوي أن يلم بما يمكن أن يتعدى إليه من معان مجازية لها شاهد ونظير من الاستعمال . ولقد دلتنا تفاسيره للحديث ، ووقوفه في وجه « أبي عبيد القاسم بن سلام اللغوي المحدث » و « عبد الله بن مسلم بن قتيبة ( 1 ) الدينوري » أن الرجل من أندادهما في الوقوف على غريب الحديث ، مع العلم بان للرجلين كتابين في غريب الحديث لم يكن لهما نظير قبل تأليفهما وبعده . فإذا تجاوزنا غريب الحديث ، ومفردات القرآن ، وشهدنا آثاره اللغوية فيما فسر من شعر ، وشرح من نثر ، ثم ما وقف عليه من آثار اللغويين أمثال « يعقوب بن السكيت » ، ( 2 ) و « ثعلب » و « الفراء » ( 3 ) وما كتبه « ابن الأنباري » ( 4 ) ، و « الأصمعي » ، و « الكلابي » ( 5 ) ، و « أبو زيد » ، ( 6 ) و « ابن الأعرابي » ، و « أبو سعيد الكري » وغيرهم من أعلام اللغة أدركنا ما انتفع به « المرتضى » من آثار من سبقه من اللغويين . كان المرتضى يستعرض المفردات اللغوية على وجوه مختلفة ، فقد يذكر اللفظة ومعناها ، وقد يتجاوز إلى ذكر أضدادها أو نظائرها أو يتعقب معنى اللفظة في مواطن مختلفة من الشعر والنثر . ( 7 )