ج - في الفقه الإسلامي :
وشهد هذا القرن ضعفا في الحياة الفقهية عند السنة نتيجة سدهم باب الاجتهاد ، بعد فتحهم إياه في القرون التي سبقته ، ولكنه شهد نشاطا فقهيا هائلا لدى الشيعة وقد كان باب الاجتهاد مسدودا لديهم من قبل ففتحوه . ومع وصفنا للفقه غير الشيعي بالجمود والركود فقد ظهر فيهم أعلام متميزون اختصوا بدراسته والتزام أحد المذاهب الأربعة ، فاجتهدوا حدودها ، وعنوا بالتمييز بين هذه المذاهب . كان من أعيان المذهب الحنفي : « أبو الحسن عبيد الله الكرخي » رئيس الحنفية في العراق توفي 340 هو « أبو بكر الجصاص البغدادي » [ المتوفس ] المتوفى 370 ه ، ألف الكتب الكثيرة على مذهب « أبي حنيفة » ، و « أبو الحسين أحمد القدوري » رئيس الحنفية في العراق توفي سنة 428 ه . وفي الفقه المالكي نهص « أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي » المشهور « بابن القصار » وله كتاب مسائل الخلاف توفي سنة 398 ه . وفي الفقه الشافعي نبغ « علي بن عمر » البغدادي الدارقطني ، كان فقيها ، عارفا باختلاف الفقهاء ، توفي سنة 385 ه ، و « أبو الحسن الماوردي » من أبصر فقهاء الشافعية ، وله كتاب « الحاوي » في الفقه الشافعي . أما نشاط الفقه الشيعي فيظهر من فتحهم لباب الاجتهاد بعد أن كان مغلوقا . لقد ألف الشيعة كتابا فقهية لم تخرج في واقعها عن أن تكون أحاديث مبوبة بحسب أبواب الفقه ، ولم يكن لهم حق الاجتهاد طيلة حياة أئمتهم . وحين انتهت الإمامة إلى الإمام المنتظر سنة 266 هوبعد غيبته الكبرى سنة 329 هوانقطاع مصدرهم التشريعي شعروا بضرورة فتح باب الاجتهاد . وإذ توسط القرن الرابع أحس الشيعة بضرورة فتح باب الاجتهاد ، بعد أن خلي بينهم وبين الأحاديث ، لا يرجعون إلى إمام في تفسيرها ، وأخذ ما يجد لهم من أحداث فيها . كان أول المجتهدين « الحسن بن أبي عقيل العماني » المعاصر للشيخ « الكليني » في طلائع القرن الرابع ، وتبعه « محمد بن أحمد بن الجنيد » . قال صاحب روضات الجنات : « كان هذا الشيخ أول من أبدع أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة ، وأحسن الظن بأصول المخالفين من علماء الشيعة » . ( 1 ) كان « ابن الجنيد » معاصرا للشيخ المفيد ، كما كان الشيخ المفيد راضيا عن عمله الاجتهادي ، ومن رضا « الشيخ المفيد » عنه ، امتدت يد الشيعة إلى فتح باب الاجتهاد . جاء « المرتضى » فانتفع بما ألفه أعلام المذاهب الأربعة وتلاميذهم في الفقه ، وبما حدده القرن الرابع من وجوه الخلاف بين هذه المذاهب ، ثم بما ألفه الشيعة من كتب فقهية على النسق الاخباري الأول ، واستعمل اجتهاده الشخصي بما مهده له « العماني » و « ابن الجنيد » المتقدمان ، فكتب وألف في « الفقه المقارن » ، واجتهد بآراء خاصة ، تحفظها له حتى اليوم كتب الفقه الشيعية ، ومن خير كتبه الدالة على سعة اطلاعه واجتهاده كتاباه « الناصريات » و « الانتصار » فقد ظهر فيهما مدى إلمامه بالمذاهب الفقهية الإسلامية ، شائعة وشاذة ، ومدى قدرته على استنباط الأحكام والاجتهاد فيها .