الالتحاق بفيصل
كان التحاق رستم حيدر بالأمير فيصل نقطة تحول خطيرة في حياته ، وبداية عهد جديد في سيرته ، تبدل رستم فيه من طالب العلم المجد ، وعضو جمعية العربية الفتاة السرية ، والمعلم الهادئ ، إلى سياسي ناضج ، ورجل دولة من الطراز الأول . وقد بقي رستم مديرا « للكلية الصلاحية » حتى سنة 1917 ، وفي تلك السنة أصبح القدس مهددا بالسقوط بيد الإنكليز ، فغادره وعاد إلى دمشق ، وقضى فيها أسابيع كان خلالها على اتصال بمن كان موجودا فيها من أعضاء « العربية الفتاة » . وهناك قرر الالتحاق بفيصل مع عدد من رفاقه . وكان ( الأمير ) فيصل قد وصل من الحجاز إلى « أبي اللسن » على رأس « الجيش الشمالي » ، واحتل مرتفعات « سمنة » التي تشرف على « معان » ، وبذلك أصبح الاتصال بين سورية والأمير فيصل أسهل من ذي قبل . وفي تلك الأثناء نقلت القطعة التركية التي يقودها ياسين الهاشمي إلى جبهة فلسطين قرب عمان . فتم الاتصال به بواسطة الملازم سليم عبد الرحمن ( 1 ) لاستشارته فيما يمكن عمله ، فأبدى ياسين تحفظا شديدا كعادته ، وأبدى أن الأمر أصبح بيد فيصل . فقررت زمرة من أعضاء « العربية الفتاة » الموجودين الاتصال بالأمير فيصل واستشارته في أمر الالتحاق به . فجاء الرد بأنه إذا لم يعد بالإمكان القيام باي عمل إيجابي في دمشق فليلتحقوا به في « أبي اللسن » . وبدأت الاستعدادات لتهيئة الحملة للالتحاق بمقر الأمير فيصل على طريق الصحراء وعبر جبل الدروز . وكان في الحملة الدكتورة أحمد قدري ، وأخوه تحسين قدري الذي كان ضابطا في جبهة فلسطين فعاد إلى دمشق متنكرا . وكان رستم أحد أعضائها . أما الآخرون فهم : رفيق التميمي ، وسليم عبد الرحمن ، والملازم الأول محمود المغربي ، والمعلم خليل السكاكيني ( الأديب الفلسطيني المعروف ) وسعيد الباني ، ولطفي العسلي وأخواه . واستعانت الحملة بسليم بن يوسف عبيد من « جرمانا » لتهيئة الخيل والسلاح والعتاد للمتطوعين ، وبلغت التكاليف حدا باهظا . وفي 10 آب 1918 قصدوا ، متفرقين ، بستان « اليونسية » ، أحد بساتين جرمانا بغوطة دمشق ، فاجمعوا أمرهم وغيروا زيهم ، وغادروا تحت جنح الليل متجهين إلى قرية « خلخلة » . ( 2 ) وعلى الرغم من إحاطة أمر الحملة بالكتمان الشديد ، فقد بلغ أمر مغادرة هؤلاء الفتيان السلطة العسكرية في دمشق ، فجدت في ملاحقتهم ، ووضعت جائزة قدرها خمسمائة ليرة ذهبية لكل من يأتي برأس واحد منهم ، حيا أو ميتا . وتبدأ مذكرات رستم حيدر - أو ما بأيدينا منها - منذ يوم مغادرة الحملة بستان اليونسية في 10 آب 1918 ، فقد دون ذكرياته وانطباعاته يوما بعد يوم خلال السفرة الطويلة التي قطعوا خلالها الصحراء على ظهور الإبل مارين بجبل الدروز ، حيث حلوا ضيوفا على سلطان الأطرش أياما . ويصف رستم حيدر كثيرا من عادات الدروز ويقدم صورة ناطقة عن حياتهم ويسجل عنهم ملاحظات طريفة ، كما يصف الأهوال والمصاعب التي مروا بها في الطريق . وخلال هذه الأيام نظم السكاكيني نشيده المشهور : « أيها المولى العظيم » لينشد أمام فيصل عند وصول البعثة إلى مقره . وواصلت الحملة بعد ذلك سيرها حتى بلغت مقدمة الجيش العربي التي كانت مخيمة في « وهيدة » مقابل معان في 30 آب ، بعد حل وترحال استمرا عشرين يوما ، شهد أعضاؤها خلالها عناء عظيما ، ومشقات بالغة . وقد استقبلهم قائد المفرزة الشمالية علي جودت . ( 3 ) وبعد أن استراحوا لديه قليلا أرسلهم إلى مقر الأمير فيصل في « سمنة » ذكر نوري السعيد - الذي كان مع الأمير فيصل - وصولهم قائلا : « . . وقبيل زحف الجحفل وصلنا بعض المتطوعين عن طريق الصحراء من جبل الدروز ، وهم رستم حيدر ، ورفيق التميمي ، وأحمد قدري ، وتحسين قدري الذي عينته مرافقا لي » . ( 4 )