وكان تجتمع أسبوعيا بانتظام ، وتدون قرارتها في سجل خاص . وقد انتقل مركز الجمعية إلى سوريا بعد عودة مؤسسيها إلى بلادهم في سنة 1913 واتخذت بيروت مقرا رئيسيا لها . وتولى الدكتور أحمد قدري إدارة فرعها في دمشق ، فاتسع نطاقها وكثر عدد أعضائها ، وتضاعف نشاطها بعد إعلان الحرب العالمية الأولى ، وخصوصا مع انتقال مقرها العام من بيروت إلى دمشق بسبب الهجرة ، إذ انتقل معظم رجالها إلى دمشق . ومن الذين دخلوا فيها بعد انتقالها إلى سورية قبل إعلان الحرب : نسيب البكري ، الأمير عارف الشهابي ، توفيق الناطور ، محمد الشريقي ، عمر حمد ، توفيق البساط ، رفيق رزق سلوم ، سيف الدين الخطيب ، صالح حيدر ، الشيخ كامل القصاب . وانتمى إليها بعد إعلان الحرب الأمير فيصل بن الحسين ، وعلي رضا الركابي ، وياسين الهاشمي ، كما انتمى إليها بعد انتهاء الحرب كثيرون غيرهم . وكان من جملة قواعدها أن توعز إلى أعضائها بالاتصال بالجمعيات العربية الأخرى والدخول فيها لتكون على معرفة بكل حركة تحدث . ( 1 ) وكانت الجمعية تدقق أشد التدقيق في اختيار أعضائها لكي يظل سرها مصونا فلا يبلغ مسامع الحكومة . ومما يدل على حسن تنظيمها أن الأتراك لم يعلموا بأمرها حتى نهاية الحرب ، وقد حافظ أعضاؤها على السر فلم يبوحوا به ، ولم يش أحد منهم برفيق له على الرغم من المحاكمات العسكرية ، والإرهاب ، والتعذيب ، وأحكام الاعدام . ( 2 ) وقد شنق جمال باشا من أعضائها : عبد الغني العريسي ، ومحمد المحمصاني ، وسيف الدين الخطيب ، ورفيق رزق سلوم ، وتوفيق البساط ، وعارف الشهابي ، وعمر حمد ، وصالح حيدر . وقد ساهمت « العربية الفتاة » في كثير من الحركات القومية والأعمال التي استهدفت نهضة الأمة العربية ، وقام رستم حيدر وزملاؤه بأكبر نصيب في تحقيق هذه الغايات متصلين بالوطنيين في البلاد العربية والعواصم الأوروبية ، والمهاجر الأمريكية ، وكانوا بحق من رواد الفكرة العربية الأوائل .
في الوطن
أكمل رستم حيدر دراسته في باريس سنة 1912 بعد أن قدم أطروحة باللغة الفرنسية موضوعها « محمد علي باشا الكبير في سورية » ، وهي مطبوعة ، وعاد إلى وطنه ، فعين مديرا للمدرسة السلطانية في « خربوط » . وكانت قد قامت في سورية بعد الحرب البلقانية حركة إصلاحية كان من جملة أعمالها إنشاء مدرسة « سلطانية » في دمشق باسم « مدرسة التجهيز العربية » تدرس فيها العلوم باللغة العربية . وقد اختير رستم حيدر مديرا لهذه المدرسة ، لأنه كان من الشبان العرب القلائل الذين درسوا في أوروبا دراسة عالية ، فأظهر في عمله كفاءة مشهودة ، ( 3 ) وكان بنفس الوقت يعمل سرا مع إخوانه في سورية الداخلية والساحلية على تنفيذ البرنامج الواسع الذي رسموه وهم على مقاعد الدراسة في إسطنبول وباريس للنهوض العربي ، ففتحت فروع عديدة لجمعية « العربية الفتاة » في سورية ولبنان وفلسطين ، وقوي اتصالها بالجمعيات العربية الاستقلالية الأخرى في الشام والعراق ومصر . ( 4 ) على أن نشوب الحرب العظمى وتجنيد المعلمين والمتعلمين من طلاب الصفوف العليا حال دون مواصلة التدريس في مدرسة التجهيز العربية في دمشق ، وأدى إلى غلق هذا المعهد . وفي أواخر سنة 1914 وردت الأوامر من الآستانة بنفي أسرة حيدر من بعلبك لموقفهم المعادي من الاتحاديين ، وتخوف الحكومة من نفوذهم . وكان رستم حيدر الوحيد الذي استثني من أبناء العائلة من ذلك النفي بسبب دراسته العالية ومؤهلاته التي كانت نادرة بين رجال سورية في ذلك الوقت ، ولرغبة السلطات في الاستفادة من خدماته . ( 5 ) وقد سار الاتحاديون أثناء الحرب العامة على سياسة اجتذاب قلوب العالم الإسلامي ، والحصول على أوسع تأييد ممكن . وعلى الرغم من سياستهم العنصرية ، فإنهم حاولوا أيضا استغلال الشعور الديني ، فاعلنوا الجهاد المقدس على دول الحلفاء ، وأخذوا يبثون الدعاية الإسلامية بقصد استمالة المسلمين إليهم في كل مكان . وقد حسن الشيخ عبد العزيز شاويش ( 6 ) لجمال باشا أن يؤسس مدرسة دينية في القدس لتخريج أناس لهم القدرة الكافية على بث الروح الإسلامية وتقوية الشعور الديني ترسيخا لكيان الدولة العثمانية ومقام السلطنة ، فلقيت الفكرة إعجابا من جمال باشا وقرر تنفيذها . وكانت في القدس مدرسة قديمة باسم « مدرسة أتباع الإمام الشافعي » غير أن معالمها وأحوالها تغيرت مع الزمن . فأعاد جمال باشا هذه المدرسة باسم « الكلية الصلاحية » - نسبة إلى صلاح الدين - وجعلها مرتبطة مباشرة بمقام شيخ الإسلام وبوزارة الأوقاف ، فأصبحت أشبه بكلية دينية عصرية تدرس فيها العلوم الدينية واللغات ، ويتخرج فيها علماء في الشريعة الإسلامية ، وخطباء في الجوامع ، وقضاة في المحاكم الشرعية . ( 7 ) وقد أعار جمال باشا هذه الكلية اهتمامه الشخصي ، واختار لها مديرا هو جميل بك النيال الحلبي ، أستاذ القانون الدولي العام في كلية الحقوق