أديما ( 1 ) ، تنسج بالسندس الأخضر ، وتفتر عن الأقحوان الأحمر ، وألفيت بنيانها هو الذي حمده الله في تنزيله ( 2 ) ، وأحبه لنا أن نكون مثله جهادا في سبيله ، مرصوصا بوقاح الجلمد ، ملاء ما بينه بالشيد الممرد ، قد حصن ظاهره على باطنه عن تداخل الابر ، ومساكن الذر ، يزل عنه ظفر الطائر ، وتتدحرج عليه أحداق ( 3 ) الناظر ، وتغنى به العروس عن الماوي المنير ( 4 ) ، وتستبين به الجفون منابت الشكير من أهدابها والغمير ، متلاقية أقطارها على رجال كأنهم أنسلاء عاد وثاقة أجسام ، وصلابة أحلام ، وبعد مرام ، لطفوا عن بدوية الشام وغلظته ، وجمدوا عن ذوب العراق وخلابته ، قد عقدت ألسنتهم بالصدق فما ينتثر الباطل من عذباتها . وصحت غرائسهم في المودة فما يجتنى الغدر من ثمراتها ، إن سلما فسلما وإن حربا فحربا ، لا يعرفون تدليس الأخلاق ، ولا تمويه النفاق ، وشعراؤهم ( 5 ) ملء اليدين ، وكتابهم أثر بعد عين ، أدبهم ( حسن ) ( 6 ) على قلة الملوكي فيه ، وعلمهم متقن لمن تأمل أدق مسرب ( 7 ) في فتن معانيه ، قد محص تهذيب المحن شرارهم وأوهن خيارهم ، بلدهم أطلال ، وأحوالهم آل ، قويهم يئن ضعفا ، وضعيفهم يماطل حتفا ، بقيت عليهم أسمال النعم وذهب الدهر باجسامها ، وانجلت عنهم ظلل المحن وهم يتاوهون من غير آلامها ، إلا أن فيهم بقية نقية ، وفيهم موضع تدارك إن رزقوا سيرة مرضية ، فلولا ما أرجوه من مداواة أسقامهم ، وإعادة صالح أيامهم ، لقضاني الانتماء بمعايشتهم قبل معاناتهم ، وبملاحظتهم قبل مقاساتهم ، لكني أعلم أن من يحيي العظام وهي رميم ، ويبعث ( 8 ) الروض وهو هشيم ، وينشئ ( . . . ) بعد ما كانت قفارا ، ويجعل من الشجر الأخضر نارا ، قادر على أن يجعل ثواب نيتي فيهم معونتي على ما أنويه لهم ، وجزاء تاملي بهم بلوغ الغرض في تدارك رمقهم .
وفي فصل من رسالة له
( 9 ) لو أطقت تفصيل المجمل ، وإيضاح المشكل ، لجرت لك به يدي طلق الجموح ، ولأغنتك أسماره عن الوتر الصدوح ، إلا أن القلب عليل ، والخاطر كليل ، والزمان ببلوغ الأمل بخيل .
فصل من رسالة بعث بها إلى ذي السعادتين
( 10 ) للرئاسة كلف لا يستقل بها إلا المهذب الكامل ، ولا يخطو تحت أثقالها إلا الأوحد الفاضل ، ولا يبلغ ذوائب أعاليها ، إلا من شرب الأجاج من ماء واديها ، ولا يلذ بملكها إلا من أغلى المهر من كريم مساعيه ، ولا يفض ختامها إلا من جعل منازلة الخطوب سلكا لعقود أيامه ولياليه ، ولذلك قيل ما أنشدته استبصارا ، وأنا إلى إيراده أبين إصرارا :
كتابه إلى رئيس اعتنق الإسلام
( 13 ) وكان في ذلك الأوان بمدينة ( تكريت ، رئيس ) ( 14 ) ممن يشار إليه ، ويعول قومه عليه ، فرأى في منامه ( 15 ) النبي ع مع علي بن أبي طالب ، وحضاه على الإسلام ، ووجد في الإنجيل ما دله على البشارة بمحمد ع ، فاستدعي إلى الحضرة ببغداد ، وطيف به في سائر البلاد ، فكتب إليه ابن المغربي رقعة قال فيها : ويعلم الله ما ورد علي وعلى كافة من حضر من المسلمين من السرور بما أبان الله ( 16 ) من آية قطعت عذر الجاحدين ، و ( حجة ) ( 17 ) استهلكت شبه