وقد نزعم أن هذا الشعور المعادي للبرتغاليين ، من جانب أحمد بن ماجد ما هو إلا ترجيع لاحساسه بالخيبة ، وشعوره بالمرأة للنتيجة التي أدت إليها قيادته البرتغاليين إلى الهند ، « إذ لم يكن بخلده أن هذه الحملة ستعود على الملاحة العربية بالدمار والخراب » ( 1 ) ولكن مثل هذا الزعم لا ينسجم مع المنطق ، إلا إذا ثبت أولا أن أحمد بن ماجد قد قاد البرتغاليين فعلا إلى الهند .
النهروالي
البرق اليماني
وللنهروالي عدد من المؤلفات ، يهمنا منها بصفة خاصة ، كتابه « البرق اليماني في الفتح العثماني ، فقد انطلقت تلك الأسطورة عن علاقة أحمد بن ماجد بالبرتغاليين . » ويتضمن هذا الكتاب مجمل تاريخ اليمن ، من أول القرن العاشر الهجري إلى آخر سنة 978 ه ، ويفصل ما قامت به الدولة العثمانية من أعمال عنيفة لمحاولة الاستيلاء على ذلك القطر ، ويصور أول صراع بين قوات أجنبية محاربة وبين العرب في جنوب الجزيرة « ( 2 ) « وأصل هذا الكتاب أن القائد سنان باشا ، بعد عودته من غزو اليمن [ سنة 978 ه ] ، طلب من القطبي [ النهروالي ] أن يؤلف كتابا عن فتوحاته هناك . وقدم له كتابا عنها منظوما ومؤلفا باللغة التركية ، نظمه مصطفى بك الرموزي ، أمير اللواء ، و » دفتر دار اليمن « ( 3 ) وقد انتفع النهروالي بذلك الكتاب التركي انتفاعا كبيرا » ( 4 )
مثال على تخليطه التاريخي
والنهروالي قليل الاهتمام بتحري الحقيقة ، عديم العناية بصحة ما يكتب ، وخاصة بالنسبة للتاريخ . اهتم السلطان قانصوه الغوري ، اهتماما كبيرا بوصول البرتغاليين للمحيط الهندي ، والمجال لا يتسع هنا لشرح الأسباب ، فجهز عمارة بحرية في السويس ، وعهد بقيادتها إلى حسين الكردي . وقد أبحرت تلك العمارة من السويس في الأيام الأولى من جمادى الثانية سنة 911 ه - سبتمبر 1505 م ، وكان الحجاز يعيش آنذاك فترة عصيبة من جراء الصراع على الحكم بين أفراد البيوت الحاكمة فيه ، وتوالي الثورات على أرضه . وقد انغمس أمراء الحج من المماليك في ذلك الصراع ، مما اضطر الغوري إلى تجريد أكثر من حملة حربية لإعادة الأمن والاستقرار إليه . وكان الحجاز من الأمكنة الحساسة بالنسبة إلى حكم المماليك . فبالإضافة إلى ما كان يضفيه عليهم من الفخار والشرف في أنظار العالم الإسلامي بوصفهم حماة البلد الأمين ، وخدام الحرمين الشريفين ، فقد كان لميناء جدة أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد المصري ، نظرا لما كان لها من أهمية تجارية ، ناشئة من كون الجزء الشمالي من البحر الأحمر مليئا بالصخور المغمورة ، والشعب المرجانية ، مما يجعل الملاحة فيه محفوفة بالاخطار . ولذلك فقد كانت السفن الكبيرة تتجنب السفر فيه ، وتفضل أن تفرغ ما تحمل من بضائع إلى مصر في جدة ، وتتوسق فيها بالبضائع المصرية المرسلة إلى الهند والشرق الأقصى . وكانت تتولى نقل البضائع من جدة إلى السويس ، ومن السويس إلى جدة ، سنابيك ( 5 ) صغيرة جدا في الغالب ، لأن قلة الغاطس في هذه السنابيك يجعلها أقل عرضة للأخطار ، من السفن الكبيرة ، ولأن الخسارة التي تنجم عن فقد أحد هذه السنابيك ضئيلة جدا إذا ما قورنت بالخسارة الكبيرة التي تنجم عن فقد إحدى السفن الكبيرة . ومن هنا كانت أهمية جدة بالنسبة للاقتصاد المصري . بعد سفر الحملة المصرية من السويس بثلاثة أشهر ، « جاءت الأخبار من مكة [ من أوائل سنة 911 ه ] بان الأحوال فاسدة ، وان عربان بني إبراهيم قد التفوا على يحيى بن سبع أمير الينبع ، ومالك بن رومي ، أمير خليص ، وقد اشتد الأمر في ذلك جدا فلما تحقق السلطان [ قانصوه الغوري ] ذلك أمر بابطال التوجه إلى الحجاز في هذه السنة من مصر والشام وسائر الأعمال قاطبة ، وكانت هذه الواقعة من أعظم المصائب والثلم في