المصري ، مؤلف « بدائع الزهور في وقائع الدهور » ، وقد عني بتسجيل بعض النبذ عن القرصنة البرتغالية وتصدى المصريين لها في البحر الأحمر والمحيط الهندي . 5 - وقبل أن تتلاشى أصداء الأحداث التي وقعت في المحيط الهندي نتيجة لقرصنة البرتغاليين ، جاء رعيل آخر من مؤرخي جنوب الجزيرة العربية ، بحيث يمكننا اعتبارهم من معاصري تلك الأحداث ، مثل بافقيه الشحري ، وعبد الله بن محمد سنجله ، ومؤلف النور السافر ، ومؤلف السنا الباهر ، ومؤلف روح الروح ، وغيرهم كثيرون ( 1 ) 6 - وفي الهند كتب عبد الله بن محمد الأوغخاني Ulughkhani تاريخا لكجرات ، احتوى على معلومات قيمة وموثوقة عن جنوب الجزيرة العربية ( 2 ) وجميع هؤلاء المؤرخين من معاصري أحمد بن ماجد ، أو ممن جاؤوا على آثارهم ، في الجزيرة العربية وخارجها ، لا يذكر أي واحد منهم أية صلة لأحمد بن ماجد بالبرتغاليين ، بل لا يكاد اسمه يجري على لسان أحدهم . 7 - و « في عام 1554 م جهز العثمانيون حملة بحرية في السويس ، بقيادة سيدي علي كاتب رومي الملقب بالحلبي ( نسبة إلى حلب ) لاسترداد قطع الأسطول المصري التي أوت إلى البصرة بعد معركة مع البرتغال في الخليج الفارسي ، وتمكن سيد علي بالفعل من الوصول بتسع سفن منها ( وكان عددها 15 سفينة ) إلى ديوو سورت بالهند ، بعد أن شتت عاصفة أسطوله واضطر لالقاء مدافعه في البحر لتخفيف حمولة المراكب . وقد اشترى أمير سورت بالهند هذه السفن ، وتم تسريح بحارتها ، وآثر سيد علي البقاء بعض الوقت بالمنطقة ، قبل أن يعود إلى تركيا برا ، عن طريق الهند وخراسان في عام 1557 م . وخلال هذه المدة أتم سيد علي الجانب الأكبر من كتابه » محيط « بالتركية ، وقد ضمنه مقالات بعضها من مؤلفات ابن ماجد ، وسليمان المهري ( 3 ) ، عثر عليها أثناء إقامته بالهند والخليج وقد أشار سيد علي في مقدمة كتابه بأنه اعتمد في تاليفه على محادثات مثمرة مع المعالمة المهرة الذين التقى بهم في الخليج ، وعلى خمسة مصنفات عربية ، اثنان منها لابن ماجد ، وثلاثة لسليمان المهري « . وربما كان من المستحسن أن نستمع إلى سيد علي نفسه ، يحدثنا عن بعض انطباعاته وتجاربه في الخليج والمحيط الهندي أبان تلك الفترة . قال : « في عام 1554 م أقمت خمسة أشهر في مدينة البصرة ، حتى بدأت الرياح الموسمية ، ثم أقلعت إلى الهند . وقد دامت رحلتي هذه ثلاثة أشهر ، تبتدئ من أول شهر شعبان ، وتنتهي في سلخ شوال ، أي من 2 تموز - 27 أيلول 1554 م . وكنت خلال هذه الأشهر الثمانية أثناء إقامتي ورحلتي لا أدع فرصة تمر دون أن أشغل نفسي في الحديث بأمور الملاحة مع نوتية السواحل ، أو ملاحي مختلف البلدان ، ممن كانوا على ظهر سفينتي ، وبذلك علمت كيف عبر الربابنة الأقدمون هرمز وهندستان ، أمثال : ( الليث بن كهلان ، ومحمد بن شادان ، وسهيل بن أبان ) . وكذلك جمعت الكتب التي ألفها البحارة المحدثون ، أمثال : ( أحمد بن ماجد ) من جلفار من مقاطعة عمان ، و ( سليمان بن أحمد المهري ) من الشحر من عرب الجنوب . كما جمعت الكتب المعروفة ب » الفوائد والحاوية « لأحمد بن ماجد ، و » تحفة العقول والمنهاج وقلادة الشموس « لسليمان المهري ، وتعمقت في دراستها كلها ، إذ الملاحة في المحيط الهندي بدون هذه الكتب [ جد ] جدا متعذرة ، فالربابنة والقواد الغرباء لا يعرفون سبيل هذا البحر ، ولا بد لهم من ربان يدلهم على الطريق ، ما دامت تنقصهم المعلومات الضرورية ، ولذا وجدت من اللازم اللازب قراءة أفضل المؤلفات ، ونقلها إلى اللغة التركية في كتاب يكون دليلا للربابنة الذين تهمهم معرفة مثل هذه الأمور . . . وترجمتي لهذه الأسفار العربية انتهت بمعونة الملك القدير جل شانه ، وقد حوى كتابي هذا أشياء غريبة كثيرة تتعلق بالملاحة ، وسميته » المحيط « ( 4 ) . . . « . وقد خص سيد علي ، أحمد بن ماجد بالمديح والإطراء ، وقال عنه أنه » الباحث عن الحقيقة بين البحارين . . . « وأنه » أفضل ربابنة الشاطيء الهندي الغربي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مقدرة ونزاهة « ( 5 ) وكان في استطاعة سيد علي أن يضيف على هذا المديح لأحمد بن ماجد ، الجملة التالية ، أو ما يماثلها : « وهو الذي قاد البرتغاليين ، أو قاد فاسكو دي گاما ، إلى الهند » . ولكن هذه الأسطورة لم تكن قد برزت إلى الوجود بعد ، ولذلك فان سيد علي ، لا يعزو في كتابه أية صلة لأحمد بن ماجد بالبرتغاليين . 8 - عاصر ابن ماجد ربان آخر من جنوب الجزيرة العربية ، هو سليمان المهري ( توفي سنة 961 ه / 2 ) . وقد ترك لنا عددا من المؤلفات العلمية عن البحر ، وصلنا خمسة منها ، ليس فيها أي ذكر لأحمد بن ماجد على الإطلاق . فما السر في تأمر كل هؤلاء المؤرخين ، عربا كانوا أو أتراكا أو برتغاليين ، على عدم الإشارة إلى تلك الصلة المزعومة لأحمد بن ماجد بالبرتغاليين ؟ 9 - وأحمد بن ماجد نفسه ؟ إننا لا نجد في جميع ما وصل إلينا من مؤلفاته ، أية إشارة لاتصاله بالبرتغاليين ، حتى ولا مجرد ذكر للقاء عابر بأحدهم في إحدى الموانئ التي كان يتردد عليها في شرق إفريقية والخليج والهند . ولكننا على النقيض من ذلك نحس شدة حنقه عليهم ، وغيظه منهم ، كلما مر ذكرهم على لسانه ، كقوله :
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 17
مساهمون: حسن الأمين
ص١٧
وساحل البر وكل جزره
فحكمها للبرتغال الفجرة
والبرتغالي حكم الجميعا
كفيت كل الشر والتصديعا
وجا لكاليكوت خذ ذي الفائدة
لعام تسعمائة وست زائدة
وباع فيها واشترى وحكما
والسامري برطله وظلما
هامش
( 1 ) انظر الحاشية السابقة .
( 2 ) . 39 . R . B . Serjeant , The portuguese off the South Arbian Coast , p
( 3 ) يقول حسن الأمين : عرف عن المعلم سليمان المهري أنه ربان ماهر ومؤلف صرف علمه لفنه دون الخروج منه إلى مجال آخر ، وهو ينتمي إلى قبيلة مهرة التي تمتد مساكنها على طول الساحل الجنوبي للجزيرة العربية حتى عمان . ولم يتضح متى ولد سليمان بن أحمد المهري .
ويعتقد أمير البحر سيد علي أنه لم يكن في عداد الأحياء سنة 961 ه ( 1554 م ) . والمهري أتم كتابه العمدة المهرية سنة 917 ه ( 1510 م ) فيكون قد عاش بعد تاليفه لكتابه هذا أربعا وأربعين سنة . ومن الجائز أن يكون قد عاش قبل تاليفه لهذا الكتاب أربعين سنة .
وعلى هذا الافتراض يكون ميلاده سنة 877 ه ( 1471 م ) .
( 4 ) محمود ياسين الحموي ، أحمد بن ماجد الملاح العربي » ، ص 13 .
( 5 ) المصدر السابق ، ص 3 .