إعلان الجهاد على روسيا
في عام 1911 حصل اختلاف حول بعض الأمور المالية بين روسيا والحكومة الإيرانية ، فزحفت القوات الروسية نحو مدينة تبريز فاحتلتها ، ثم عمدت إلى شنق بعض رجال الدين فيها من أجل إرهاب غيرهم ، فادى ذلك إلى الهياج العام في إيران فأعلن رجال الدين الجهاد وأمروا الناس بالتدريب على السلاح . ومن طريف ما يروى في هذا الصدد أن سكان كرمان ، وهي بلدة تقع في الجنوب من إيران ، تحمسوا للجهاد أكثر من غيرهم وأخذوا يتدربون على السلاح تحت إشراف رجال الدين وهم عازمون عزما أكيدا على غزو روسيا وعزل القيصر . ولم يمر على ذلك سوى مدة قصيرة حتى ظهرت بالقرب من البلدة عصابة من اللصوص وأخذت تقطع الطرق وتنهب القوافل حتى وصل مجال فسادها إلى أبواب البلدة . فاستنجد المسؤولون في البلدة بالقنصل البريطاني وطلبوا منه قوة لمحاربة العصابة ، وقد اعتذر القنصل لهم ثم سألهم متعجبا : لما ذا لا يستطيع المجاهدون أن يحاربوا عصابة صغيرة من اللصوص بينما هم يستعدون لمحاربة روسيا كلها . فكان جواب المسؤولين : أن المجاهدين إنما يستعدون لمحاربة روسيا لأنها بعيدة عنهم ، ولكن اللصوص قريبون . وكانت حركة الجهاد قد انتشرت في العراق أيضا ، فقد أوعز الملا كاظم الخراساني بنصب الخيام في ظاهر النجف وتعبئة المجاهدين فيها استعدادا للزحف على روسيا . وقد نصبت الخيام فعلا وتهيأ الناس للسفر ، وامتلأ الجو باهازيج العشائر والخطب الرنانة . وفي ليلة 12 كانون الأول من عام 1911 بينما كان الخراساني على أهبة السفر شعر بتوعك مفاجئ في صحته ، فاصفر وجهه وانتابه العرق الغزير ، وقبل أن تشرق شمس الصباح التالي أدركته الوفاة . فاستدعى إليه طبيب الحكومة ، وقد قرر هذا بعد فحصه أنه مات بالسكتة القلبية . ولكن الناس لم يصدقوا ذلك وأخذت الإشاعات تروج بينهم في أنه مات مسموما بأيدي الجواسيس ، وانتشرت بينهم قصة مفادها أن رجلا كان قد أهدى إليه قبيل وفاته تفاحة صفراء وهي التي جرت عليه البلاء ( 1 ) تفرق المجاهدون على أثر موت الخراساني ، وطويت الخيام ، وانشغل الناس بالنوح على الفقيد وإقامة مجالس الفاتحة وإلقاء القصائد الشعرية في تابينه . وفي أواخر آذار 1912 وصل إلى العراق خبر مفاده أن الجيوش الروسية قصفت بالمدافع مشهد الرضا ( ع ) في خراسان فانهدم جزء من القبة والسقف وأدى ذلك إلى قتل وجرح عدد من الزوار الذين كانوا يتهجدون فيه . وعند هذا ساد الهياج في مختلف أنحاء إيران والعراق ، ووجد المجتهدون في العراق أن من الضروري استئناف حركة الجهاد من جديد . اجتمع في الكاظمية لفيف من المجتهدين كان فيهم : السيد مهدي الحيدري ، والشيخ مهدي الخالصي ، والسيد إسماعيل الصدر ، والشيخ عبد الله المازندراني ، والشيخ فتح الله الأصفهاني ، والشيخ محمد حسين القمشه إي ، والسيد علي الداماد ، والسيد مصطفى الكاشاني ، وقرروا إعلان الجهاد على روسيا على منوال ما فعل الخراساني الراحل . امتنع مجتهدان كبيران عن الحضور إلى مؤتمر الكاظمية وعن الانضمام إلى حركة الجهاد وهما : الميرزا محمد تقي الشيرازي في سامراء . والسيد كاظم اليزدي في النجف . فقرر الشيخ مهدي الخالصي أن يسافر بنفسه إليهما بغية اقناعهما بالانضمام إلى الحركة ، ولم يجد الخالصي صعوبة في اقناع الشيرازي عندما ذهب إليه في سامراء ، غير أنه عند ذهابه إلى النجف لم يتمكن من الاجتماع باليزدي لمحادثته في الموضوع إذ كان هذا يتهرب من لقياه المرة بعد المرة . وفي أحد الأيام بينما كان الخالصي في النجف يواصل مساعيه للاجتماع باليزدي وقع عليه اعتداء من قبل بعض العامة ، وقد أسرع الخالصي إلى مغادرة النجف والعودة إلى الكاظمية درءا للفتنة . وحين سمع أهل الكاظمية بالحادث تحفزوا لأخذ الثار إذ لم يهن عليهم أن يعتدي أهل النجف على عالمهم دون أن ينتقموا له . وقد بذل الخالصي جهده لتهدئتهم . كان والي بغداد يوم ذاك جمال بك ، وكان على صلة وثيقة بالخالصي ، فلما سمع بحادث الاعتداء عليه أمر بإلقاء القبض على المعتدين وبسوقهم مكبلين إلى بغداد . وانبرى الخالصي يتشفع لهم عند الوالي حتى جعله يأمر بإطلاق سراحهم . وفي زحمة هذه الأحداث نسي الناس جهاد الروس وانشغلوا بجهاد بعضهم بعضا ! .