عرش السلطة وضعت تحت أقدامك جميع الوعود والايمان وعملت بجميع الحيل ضد المشروطية . وقد تجلى لنا خطانا فيك حيث سعيت أن تجعلنا آلة بيدك ضد المجلس . . . والآن سمعنا أنك أرسلت إلينا أحد رجالك المقربين لشراء ذممنا بالذهب ، ولست تعلم أن سعادة الشعب أثمن كثيرا من ذهبك . . . إن ذكرك للدين والشريعة كذب وهراء أردت بكذبك هذا إغفال البسطاء المتمسكين بالدين لتمنع الدستور وتجعل الناس في ذل وفقر . وعلى هذا أنت عدو للدين المقدس وخائن للوطن وتشبه السارق الذي يسرق الناس باسم الدين والشريعة . . . إنك أنت والمجتهدون المرتزقة الذي يدعون بمخالفة المشروطية للشرع يتجاهلون حقيقة الدين بان العدالة شرط حتى في الأمور الجزئية . . . وإذا حصل تأخر منك عما قلنا فإننا سوف نحضر جميعا في إيران ونعلن الجهاد ضدك . ولنا في إيران اتباع كثيرون ، والمسلمون كثيرون أيضا . فإننا أقسمنا على ذلك ( 1 ) .
الوضع في كربلاء
كان الوضع في كربلاء يختلف عن الوضع في النجف من بعض الوجوه ، فقد كان في كربلاء حين ذاك واعظ إيراني من أنصار الاستبداد اسمه السيد أكبر شاه ، وكان خطيبا مصقعا له لحية طويلة وتأثير قوي على العامة . إنه كان يعظ ضد المشروطية قبل إعلان الدستور العثماني ، وظل يخطب بعد إعلانه من غير أن يخشى أحدا . وفي شهر آذار من عام 1909 وصل إلى كربلاء واعظ إيراني من المشروطيين اسمه الشيخ جواد ، وبدأ منذ ذلك الحين نزاع شديد بين الرجلين من على المنابر . وانقسم أهل كربلاء إلى فريقين ، كل فريق التزم واعظا ، وصار يكفر بعضهم بعضا . كان قتل الحسين ( ع ) من المواضيع التي اتخذها الفريقان مستندا لهما في الجدل . فانصار المشروطية يعتقدون أن الحسين إنما قتل بسيف الاستبداد وأنه لو كان نظام المشروطية سائدا في زمانه لاختاره المسلمون خليفة عليهم بدلا من يزيد . أما أنصار الاستبداد فرأيهم أن المشروطية تعني الشورى وأن الشورى هي التي أدت إلى ضياع الخلافة من أهل البيت ووصولها إلى رجل مثل يزيد . نشرت جريدة الرقيب البغدادية في 1 نيسان 1909 وصفا لما كان يحدث في كربلاء من جدال بين الشيخ جواد والسيد أكبر شاه ، ومضمون ما ذكرته الجريدة هو : أن الأحرار الإيرانيين والعثمانيين استبشروا بوصول الشيخ جواد إلى كربلاء ، فغص الجامع بالناس لسماع خطبه المؤثرة ، وقد ذكر الشيخ ما أمر به النبي من إجراء العدل والمساواة ، ثم أشار إلى أن الحسين لم يقتل إلا بسيف الاستبداد ، وعند هذا قام أحد أركان « المستبدين » يرد على الشيخ ويثلبه ، وهو لم يجرؤ على ذلك من تلقاء نفسه « لأنه أحقر من ذلك » بل كان مدفوعا من قبل حزبه الذين * ( « يريدون ليطفئوا نور الله » ) * ولولا حضور وكيل المتصرف لحصل ما لا يحمد عقباه ، وفي اليوم التالي حضر الشيخ جواد « رغما عن أركان حزب التقهقر » يحيط به الأحرار « إحاطة الهالة بالقمر . . . فرمى الله بالذل والخزي أولئك الأضداد لكل فضيلة ، وعند ذلك تهللت وجوه الأحرار . . . وتكلم الخطيب بما خطر له من مدح العدل وقدح الظلم ، والثناء على الأحرار والطعن في المستبدين الأشرار ، فلم يستطع من أولئك الظلمة أحد أن يفوه بكلمة . . . ( 2 ) أمرت الحكومة السيد أكبر شاه أن يغادر كربلاء إلى الكاظمية ، وقد علقت جريدة الرقيب على ذلك في 5 نيسان حيث تساءلت عن الفائدة من نقل هذا الواعظ من مدينة إلى أخرى داخل العراق وهل أن ذلك سيرفع الضرر الناتج عن خطبه المثيرة الداعية إلى مبادئ الاستبداد والظلم ؟ ! يبدو أن الجريدة كانت تريد من الحكومة أن تبعد الواعظ إلى إيران وتنقذ العراقيين من شره .