هكذا نزل المرتضى عند اقتراح الوزير المذكور ، ومن ذلك يستفاد أن الوزير يشارك مشاركة حسنة في الأدب ، ويروي شعر الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين ، وأكثر من ذلك أن هذا الوزير خبير بمزاج الشريف المرتضى وبفنون الأدب والشعر التي يحسنها . والمعروف أن الشريف يحسن القول في الشيب والشباب وله في ذلك مجموعة معروفة ، ويحسن النظم في طيف الخيال ، وله في ذلك أيضا مجموعة متداولة . وقد تعاطى النظم في هذه المعاني بعض فحول الشعراء قبل الشريفين المرتضى والرضي ، ومن أشهرهم أبو عبادة البحتري ، وقد بلغت هذه الصلة الأدبية بين الوزير أبي الحسن علي بن حمد والمرتضى حدا من الوثاقة جعلته « أعنى الوزير » يقترح على الشريف نظم قصيدة على لسانه يبعث بها إلى بهاء الدولة ( 1 ) فهي قصيدة قيلت على لسان وزير مرسلة إلى ملك ، والاثنان من أصدقائه فلا مناص من التجويد فيها ، وقد جاءت من محاسن شعره لفظا ومعنى يقترحان . ويلاحظ أن مقترحات هذا الوزير على المرتضى غير قليلة كما يبدو لمن بتصفح ديوان المرتضى ، وقد سأله مرة إجازة قول أبي دهبل الجمحي ( 2 ) :
( 3 ) كما يلاحظ أيضا كثرة المقترحات التي ترد عليه من هذا القبيل ومن غير هذا الوزير ، فطورا يسال إجازة أبيات على وزن مخصوص وقافية ، وتارة يطلب إليه إجازة قول النواح المرادي ( 4 ) :
أو غيره ، إلى هذا وأمثاله . ولا غرو ، فان الدولة البويهية كانت دولة الأدب والشعر ، وكان شعر المرتضى كشعر أخيه الرضى يعرض بديوان بهاء الدولة ويقرأ في مجلسه . ومن الخلفاء الذين ورد ذكرهم في شعره أكثر من مرة ، القادر بالله العباسي . وله فيه قصيدة بمناسبة إفضاء الخلافة إليه ( 5 ) ، وفي هذه القصيدة يتمدح المرتضى بأنه من عشيرة الخليفة ، ويقصد بذلك أن الأرومة الهاشمية تجمع بينهما ، وأنه لا غرض له إلا بقاؤه ودوام صلته به . وفي هذه القصيدة أشار إلى تعذر الوصول إلى سدة هذا الخليفة بعد البيعة ، فمن ذلك قوله :
وفي هذا الشعر ما فيه من الصناعة البديعية ، فأبو العباس الوارد ذكره في مطلع القصيدة هو القادر بالله ، وأبو العباس هي أيضا كنية السفاح مؤسس دولة بني العباس المشار إليه في البيت الثاني . هذا ولأبي شجاع صاحب كتاب « ذيل تجارب الأمم » تعليق لطيف على أبيات الرضي أكد فيها رأي الرضي بالقادر بالله في تجديد معالم الخلافة - على ما يقول - ، وكشف الغمة وإزاحة العلل والفتن عن البلاد ، ويعده أبو شجاع رابع أربعة من بني العباس هم : السفاح ، والمنصور ، والمعتضد ، ورابعهم القادر ، ووصفه بالورع والزهد وأنه راهب بني العباس ( 6 ) ولا تخلو هذه المقالة وغيرها من مقالات بعض المؤرخين في هذا الصدد من مبالغة . والخلاصة كان أفراد هذه الأسرة - أسرة السيدين المرتضى والرضي - من أكثر أعيان عصرهم في العراق اتصالا بدار الخلافة العباسية ، ودار السلطنة البويهية ، وحسبنا أن الشريف أبا أحمد الموسوي ولي عقد الأميرة سكينة ابنة بهاء الدولة على القادر بالله « سنة 384 ه » ، جاء في حوادث هذه السنة من