ذهب ، وقلد سيفا مزينا ، واركب فرسا من خيل الخليفة وسلم اليه عهد الوزارة ، وبدل لقبه بان جعل « معز الدين » فركب أبو المعالي من هناك ومشى بين يديه سائر أرباب الولايات حتى وصل إلى الديوان وجلس في دست الوزارة بالايوان الذي يجلس فيه الوزراء . ولي هذا الوزير الحنبلي بعد وزير حنبلي قبله هو جلال الدين أبو المظفر عبيد الله بن يونس وكان هذا أخفق في وزارته لأن الناصر لدين الله كان قد بعثه بجيش عباسي إلى بلاد العجم لمحاربة السلطان طغرل الثالث بن أرسلان بن طغرل الثاني بن محمد بن ملك شاه السلجوقي ، وأمره بأمور لا بد منها للقائد فخالفها وسبب هزيمة الجيش العباسي وسقط هو أسيرا في السنة المذكورة « 584 » . كانت وزارة معز الدين أبي المعالي سعيد بن حديدة الأنصاري الحنبلي هذا فاتحة خير ونجاح فقد بعث الناصر في أيام وزارته جيشا ثانيا يقودهم مملوك العباسيين مجاهد الدين خالص الحبشي الذي رآه ابن جبير الرحالة ببغداد أيام قدومه إليها فوجده من عجائب الدنيا ، ثم واقع مجاهد الدين خالص ذلك السلطان السلجوقي في بلاد إيران وكسر جيشه وأخرجه من همذان وأصفهان فهرب السلطان إلى قلعة الكرخيني « كركوك » واستجار بأمير التركمان هناك حسن بن ففجاق وطلب اليه أن يسترضي الناصر لدين الله ويتشفع له عنده ، ففعل وتاب السلطان توبة موقوتة ، ليس من شاننا هنا أن نذكر عاقبتها ونستطرد أكثر من ذلك الاستطراد . وانما يعنينا أن نذكر أن هذا الوزير قام بمراسم الخدمة الناصرية وبسط العدل وقرب أهل العلم واستجلب الأدعية الكثيرة للخليفة . ( 1 ) وفي أيام وزارة هذا الوزير قدم الشريف أبو جعفر يحيى بن أبي زيد النقيب إلى بغداد متظلما إليه من ناظر البصرة ، وحسبك من هذه الشكاية أن الشريف يترك بلده البصرة وشئون النقابة ويأتي بغداد ليرفع شكواه بنفسه ، فهذا يدل على الظلم الذي أجحف به ، وسوء المعاملة التي لقيها من ناظر البصرة ، ولم يمنعه الوزير العادل عن حضور مجلسه وبسط شكاته بحضرته ، فلما دنا منه أنشده قصيدة ضمنها تلك الشكاة ، وباح بالمظلمة التي نالته ، وهاج عروبة الوزير ونخوته واستعدى ديانته وأمانته ، ومن تلك القصيدة قوله يشير إلى نسب الوزير الصريح وما فعله الأنصار لرسول الله ( ص ) من الإيواء والنصرة :
فلما سمع الوزير هذه القصيدة التي تستخرج العطف استخراجا وترقق القلوب القاسية فضلا عن قلب هذا الوزير النبيل الدين الصين ؟ أجل لما سمعها رق له وانحدرت دموعه على خديه وأشكاه ووعده دفع المظلمة عنه ، ثم أمر فخلع عليه خلعة ، ووصله بصلة وقضى حاجته وأنصفه من ناظر البصرة وعزله . ولم نستطع معرفة ذلك الناظر الظالم . وفي هذه القدمة التي قدم بغداد فيها رأى الخليفة الناصر لدين الله - على ما استرجحت أنا - وكان من رسوم الخلفاء في تلك الأيام أن لا يواجه الخليفة عظيما من العظماء الزائرين أو ملكا من الملوك الوافدين أو أميرا من الأمراء المتشرفين أو شريفا من الأشراف القاصدين إلا بالليل ، وقد توصل الشريف أبو جعفر النقيب أن يتشرف برؤية الناصر ( 2 ) ليلا ، فلما رآه وكلمه وجد نفسه بين يدي خليفة تنقطع الأوصاف دون بلوغ معانيه ، وتضطم الإمامة منه على خبر إنسان ، يقوم بخلافة رسول الله ( ص ) إذ ذاك فكأنه النبأ العظيم ، والسيد المنتظر ، فلم ينشب وهو بين الدهش والاعجاب والسرور والرهب ان أنشأ يقول :