والكلام ، وليس من شك في أنه استفاد كثيرا من أبيه أبي طالب محمد بن أبي زيد ، فقد جاء في التاريخ أنه روى الحديث عنه ولكننا نستبعد أن يكون باشر النقابة بنفسه بعد أبيه وعمره اثنتا عشرة سنة ، ففي مثل هذه الحال يجب أن يكون له نائب يباشرها بالوكالة . وفي أيام صباه كان أمير البصرة كمشتكين أحد المماليك من الأتراك وكان أميرها قبل ذلك منكوبرس من الجنس المذكور ، ولكن الخليفة المستنجد بالله أمر بقتله سنة « 559 » ، واشتدت أطماع الأمراء في البصرة فان الأمير ابن شنكا التركماني وهو ابن أخي شملة التركماني صاحب خوزستان « عربستان » قصد بجيشه البصرة سنة « 561 » ونهب قراها وقتل كثيرا من جند أمير واسط حظلوبرس مؤسس المدرسة الحظلوبرسية هناك ، وأسر كثيرا ، وفي سنة « 562 » عاد بجيشه إلى البصرة ونهب البلد نفسه وخربه من الجهة الشرقية ، وعاث فسادا في بلدان أخرى من جنوبي العراق وفي مثل هذه الأحوال يكون موقف النقباء والخطباء والعلماء حرجا ، فمنهم من ينقلب على دولته وينصر العدو ، فإذا هرب العدو في آخر الأمر فاما الهروب معه وأما التعرض لعقاب شديد ، ومنهم من يبقى على موالاته بين الأمن والخوف . ولم يذكر التاريخ شيئا في هذا ، فقد كان أبو جعفر صغيرا لا يتجاوز عمره ثلاث عشرة سنة . وكانت سنة « 575 » مبدأ عصر عظيم في الدولة العباسية ، وكان للفرد الحاكم المسيطر في ذلك الزمان أثر بالغ في سيرة الأمة ومعيشتها وتقدمها أو تأخرها ، ففي تلك السنة استخلف الإمام أبو العباس أحمد بن الحسن الملقب بالناصر لدين الله ، ذلك الذي يكاد الباحث يجزم بأنه لم يل الخلافة خليفة عباسي مثله في الذكاء وفي السياسة وفي حقيقة السلطة ورعاية مصالح الدين والأمة ، ولا نريد أن نذكر في هذه الموازنة غير الخلفاء العباسيين وان كان لنا مجال في ذلك . لقد كانت مبايعته بالخلافة فاتحة العدل والرخاء والحكمة والتبرير وخاتمة عهد التعصب الشنيع والحكم الفظيع ، فقد اعترت الأمة في عهد أبيه المستضيء المستضعف سكرة الحيرة وتردت بالخنوع والخضوع واستمر عليها سوط العذاب والظلم يبرح بظهرها تبريحا ، ونحم في الدولة - كما هو الحال في كل دولة أفلت شمسها وحل تعسها - رجال لا تستطيع أن تجد لهم من الأوصاف المنكرة ما يعرب عن حقائقهم الخبيثة وأخلاقهم الشرسة الدنيئة ، وهؤلاء وأمثالهم ليس لهم دواء الا التخليد في السجون وإزالة شخوصهم الرذيلة عن العيون ، والا السيف فهو الذي يريح البشرية بأقصر الطرق وأسلمها من النكس والعكس اللذين يريد أولئك المجرمون أن يعرواها ، فيشلاها ، فتصبح شلاء بعد أن صحت وبرئت من وحشية الماضي وجفاء القدم . ولم يكد يستخلف هذا الامام الهمام حتى خمدت سورة الظلم وتطامنت الأشباح الهائلة الهولة ، ونكص الجور على عقبيه وتجددت حياة الأمة وانطلقت الأنفاس المكظومة والنفوس المزمومة وتنفس الحق كما يتنفس الصبح بعد ليلة ليلاء ، وتباشرت الوجوه بالهناءة والرخاء ، وانتقم الشعب من جماعة من القوم الذين كانوا يسومون خسفا ويحكمون فيه عسفا ويقتلون فيه ويصلبون ويحرقون ، كان نيرون روما قد حل فيهم أو كان كلا منهم قد استحج أو استزيد ( 1 ) ، وتفرعن وطغا وتجبر . وكان أبو جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد نقيب البصرة في الوفود التي وفدت على الخليفة الجديد ، تهنئة بالخلافة وتعزيه عن الخليفة الفقيد ، وكان أدبه قد ذهب في البلاد كل مذهب وشرق شعره وغرب ، فقال فيما قال من المدحة التي مدح بها الخليفة في اليوم الثالث من البيعة وقد رخصت الأسعار وهطلت الأمطار :
. لقد كان عمر أبي جعفر النقيب سبعا وعشرين سنة يوم بويع الناصر لدين الله بالخلافة ، وكان عمر الناصر لدين الله اثنتين وعشرين سنة ، فلم تسمح الرسوم ولا الأحوال ولا أعمارهما بان يجتمعا أو يرى أحدهما الآخر في مثل تلك الأيام التي يكثر فيها التقاصف ، وتختلط فيها جماهير الناس وتكثر حركات أرباب الدولة وأعيانها للقيام بالرسوم ، وتمشية أمور البيعة على الوجه الأكمل وفي السبيل الأفضل وأين يقع الشريف أبو جعفر من هذا البحر الطامي من الرجال الذين أصبحوا يتدافنون ويتداهون ، ويتنافسون في السبق إلى السيطرة الجديدة على الخليفة الجديد ، كما جرت العادة البشرية بين أرباب السلطان في كل زمان ومكان ، ولكنهم خابت ظنونهم وساء تقديرهم وحبطت آمالهم وكعت نفوسهم فهذا خليفة تزدان الخلافة به ويليق الحكم باعطافه فكأنه خلق ليكون خليفة . ولما انتهت الرسوم وختم الاحتفال ورفعت معالم الزينة انصرفت الوفود والرسل وكان في وفد البصرة العائدين الشريف أبو جعفر بن أبي زيد ، ثم عاد إلى مزاولة شؤون النقابة الطالبية هناك ، ورئاسة آل أبي طالب والرئاسة عبء ثقيل لا كما يظن فريق من البعيدين عن معالجة أمورها . وكان عهد الناصر لدين الله عهد الكفايات والقابليات - كما هو شان كل عهد صالح - فالمجال مفتوح للكفاة والمجتهدين والدهاة المقتدرين والأذكياء المخلصين ، وقد يندس بينهم أحد المرائين أو المتنمسين لاصطياد المال والمراتب ، ولكن الأيام كفيلة بالكشف عنه ، فان صلاح رأس الدولة هو رأس كل صلاح فيها ، وكان من الرجال الذين توسم فيهم الناصر لدين الله - وتجاربه تزداد حكمة سنة بعد سنة - أبو المعالي سعيد بن علي بن أحمد الأنصاري الحنبلي المعروف بابن حديدة من ولد قطبة بن عامر بن حديدة أنصاري رسول الله ( ص ) ، أصله من كرخ سامراء وسكن بغداد منذ صباه وكان أحد الموسرين وذوي المال والجاه والمكانة والسيرة الحسنة والزلفى عند الدولة العباسية مع فضل ظاهر ، ولم يزل ملحوظا بعين الإعظام والإكرام من ديوان الخلافة ، مشمولا بسوابغ الإنعام إلى أن اقتضت إرادة الناصر لدين الله تأهيله للوزارة فأمر باستدعائه من داره يوم السبت لسبع خلون من شعبان سنة « 584 » إلى دار الخلافة على شط دجلة في شارع المنتصر الحالي ، فمثل بباب حجرة الخليفة ، وهذه الحجرة أشرف موضع يبلغه ذو مرتبة عالية في الدولة ، وحضر أرباب المناصب والولايات والحجاب واتباع ديوان الخلافة والقضاة والأعيان ، وخرج الأمر من الامام باستيزاره ، وخلع عليه هناك خلعة الوزارة - على العادة - وهي قميص من القماش المعروف بالأطلس وفرجية من النوع ( 2 ) الممزج وعمامة قصب ( 3 ) كحلية ذات أعلام