عمرو الغنوي الموجود قرب سنجار في العراق وهي :
يا قصر عباس بن عمرو
كيف فارقك ابن عمرك
قد كنت تغتال الدهور
فكيف غالك ريب دهرك ؟
واها لعزك بل لجودك
بل لمجدك بل لفخرك
وتحتها كتب : « كتبه علي بن عبد الله بن حمدان بخطه سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة » . وهي من شعر سيف الدولة في رثاء عباس بن عمرو .
من هذه الأمثلة القليلة لشعر سيف الدولة نرى ان شعر سيف الدولة محدد الأغراض ، فهو بين الوصف والغزل ، أما المدح فنادر . وكان مولعا بما يسمى في الشعر ب « الإجازة » فيقول البيت والبيتين ويطلب ممن يحضر مجلسه من الشعراء أن يجيز ما قال . من ذلك أن أبا فراس الحمداني كان في مجلس سيف الدولة في نفر من ندمائه فقال لهم سيف الدولة : أيكم يجيز قولي ، وليس له إلا سيدي ، يعني أبا فراس :
لك جسمي تعله
فدمي لم تحله ؟
لك من قلبي المكان
فلم لا تحله ؟
فارتجل أبو فراس وقال :
أنا إن كنت مالكا
فلي الأمر كله
فاستحسنه وأعطاه ضيعة بمنبج تغل ألفي دينار . ( اليتيمة 1 / 36 ) .
ومن ذلك أيضا ان سيف الدولة أنشد المتنبي بيتا ، وطلب منه اجازته . ( ديوان المتنبي 1 / 47 شرح العكبري ) .
قال سيف الدولة :
خرجت غداة النفر اعترض الدمى
فلم أر أحلى منك في العين والقلب
فقال أبو الطيب المتنبي :
فديناك أهدى الناس سهما إلى قلبي
وأقتلهم للدار عين بلا حرب
هذا ما استطعنا إثباته من شعر سيف الدولة ، آملين من الله أن نوفق لمعرفة المزيد .
سيف الدولة الناقد
شهد بلاط سيف الدولة مجالس علمية وأدبية كثيرة ، وكان يشارك في هذه المجالس مدليا برأيه ، مستحسنا أو مستهجنا . ومن خلال هذه المجالس برزت مواقف سيف الدولة النقدية ، وهذه المواقف ليست نظريات في النقد وإنما هي آراء وأقوال تدل على تذوقه للشعر ، وحسن بصره به .
وهذه المواقف قليلة في كتب الأدب والنقد التي بين أيدينا .
1 - موقفه من المتنبي عندما أنشده قصيدته الميمية :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر أهل الكرام المكارم
فلما بلغ قوله فيها :
وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
ووجهك وضاح وثغرك باسم
قال سيف الدولة : قد انتقدنا عليك هذين البيتين ، كما انتقد على امرئ القيس بيتاه :
كاني لم أركب جوادا للذة
ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبا الزق الروي ولم أقل
لخيلي كري كرة بعد إجفال
وبيتاك لا يلتئم شطرهما ، كما ليس يلتئم شطرا هذين البيتين ، وكان ينبغي لإمرئ القيس أن يقول :
كاني لم أركب جوادا ولم أقل
لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبا الزق الروي للذة
ولم اتبطن كاعبا ذات خلخال
ولك أن تقول :
وقفت وما في الموت شك لواقف
ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي : أيد الله مولانا ، صح ان الذي استدرك على امرئ القيس هذا كان اعلم بالشعر منه ، فقد أخطا امرؤ القيس وأخطات أنا ، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك ، لأن البزاز يعرف جملته ، والحائك يعرف جملته وتفاريقه ، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية ، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد ، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء ، وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكري الردى ليجانسه . ولما كان وجه الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عابسا ، وعينه من أن تكون باكية ، قلت :
« ووجهك وضاح وثغرك باسم »
، لأجمع بين الأضداد في المعنى ، وإن لم يتسع اللفظ لجميعها « . فأعجب سيف الدولة بقوله ، ووصله بخمسين دينارا من دنانير الصلات ، وفيها خمسمائة دينار . ( اليتيمة 1 / 37 ) .
وهذا الموقف يدل على حاسة نقدية وبصر بالشعر ، فسيف الدولة قد انتقد بيتي المتنبي ، كما أشار إلى نقد امرئ القيس ، وأعاد ترتيب الأشطر ليتلاءم المعنى شكلا . ولكنه عندما استمع إلى وجهة نظر المتنبي وتخريجه لبيتي امرئ القيس وبيتيه تراجع عن موقفه وأعجب بتخريج المتنبي وكافاه ، وهذا أيضا يدل على روح عالية في النقد .
2 - موقفه من أحد الخالديين ( وهما من شعراء لسيف الدولة ) ، وذلك عندما أنشده أحدهما قصيدته التي أولها :
لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا
إلا وما لك في النوال حبيس
وفيها يقول :
فغدا لنا من جودك المأكول والمشروب
والمنكوح والملبوس
فقال له سيف الدولة : « أحسنت إلا في لفظة » المنكوح « فليست مما يخاطب بها الملوك » .
ويعلق الثعالبي بقوله : « وهذا من عجيب نقده » ( اليتيمة 1 / 39 ) .
ولست أرى في ذلك عجبا ، فنقد سيف الدولة هنا ينصب حول « أدب المخاطبة » وخاصة مخاطبة الملوك ، مما يقتضي الشاعر حسن اختياره للألفاظ .
وإذا علمنا أن النقد لا يقتصر على بيان العيوب ، وإنما يشمل الاستحسان وبيان الجمال في الأبيات أو البيت ، استطعنا ان نثبت لسيف الدولة عدة مواقف نقدية كان يستحسن فيها الشعر على طريقة القدماء ، عندما كان النقد ساذجا غير معلل .
3 - من هذه المواقف ما أورده الثعالبي في ( اليتيمة 1 / 35 ) من أن أعرابيا أنشد سيف الدولة هذه الأبيات :
أنت علي وهذه حلب
قد نفد الزاد وانتهى الطلب
بهذه تفخر البلاد وبالأمير
تزهى على الورى العرب
وعبدك الدهر قد أضر بنا
إليك من جور عبدك الهرب
فقال سيف الدولة :
« أحسنت ولله أنت »
. 4 - والإقرار على حكم نقدي يعتبر نقدا أيضا ، ويدل على ذوق وبصر ، من ذلك ما أورده الواحدي في شرحه على ديوان المتنبي من أن سيف الدولة كان يسر بمن يحفظ شعر المتنبي ، فأنشد أحد الشعراء بيتا للمتنبي في حضرته