أبو نصر بن أبي الفتح كشاجم ، أو أبو النصر
ذكرنا سابقا أن كشاجم لم يذكر في ديوانه سوى ولد واحد ، وإن أشار إلى أنه كان له « أصيبية » . ونرجح أنه لم يعش منهم سوى اثنين أبي الفرج بكره ، وأبي نصر . وأول مصدر ورد فيه ذكر أبي نصر هو نشوار المحاضرة لأبي علي التنوخي ، وهو أيضا أقدم نص جاء على ذكره فيما عرفناه ، وكان أبو نصر بن كشاجم ، كاتب أبي علي الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم ( 1 ) . وحين عاد الأعصم إلى دمشق غازيا استولى عليها ، وقتل نائبها الفاطمي جعفر بن فلاح ، ثم توجه إلى مصر . ثم عاد إلى بلاد الشام حيث استقر بالرملة حتى وافته المنية . ونرجح أن الأعصم الذي كان شاعرا ، محبا للأدباء والشعراء ، كان يقيم في داره بالرملة مجالس أدبية ، وكان الشعراء يجيزون ما يقول ، وكان ابن كشاجم ، أبو نصر قد التحق به ، فقربه وأدناه ، وجعله كاتبه منذ عاد إلى بلاد الشام . ففي حسب رواية أبي علي التنوخي ، كان أبو نصر بالرملة ، يلازم الأعصم ، كاتبه ونديمه أيضا . وكان للأعصم مجالس أدب يحضرها الأدباء والفقهاء والشعراء . وكان أبو نصر شاعرا ، وكاتبا للأعصم ، مما جعل بعض المؤرخين يخلطون بينه وبين أبيه كشاجم ، فجعلوا كشاجم من وفيات عشر الستين ، كما جعلوه كاتبا للقرمطي ! ولأهمية رواية أبي علي التنوخي ( 384 ه ) ، وقربها من العصر الذي عاش فيه أبو نصر بن كشاجم ، ننقلها كما وردت على لسان محمد بن عثمان الخرقي الفارقي الذي رواها بنفسه لأبي علي التنوخي في احدى زياراته . قال محمد بن عثمان : « كنت بالرملة ، وقد ورد إليها القرمطي أبو علي القصير الثياب ، فاستدناني منه ، وقربني إلى خدمته . فكنت ليلة عنده إذ حضر الفراشون بالشموع . فقال لأبي نصر بن كشاجم ، وكان كاتبه : يا أبا نصر ، ما يحضرك في صفة هذه الشموع ؟ ، فقال : إنما نحضر مجلس السيد ، لنسمع كلامه ، ونستفيد من أدبه ، فقال أبو علي القرمطي في الحال بديها :
« فتقدم بان يخلع عليه ، وحملت إليه صلة سنية ، وإلى كل الحاضرين » . وتناقل المؤرخون والباحثون القدماء هذه الرواية ، فرواها ابن عساكر في تاريخه الكبير ، وابن ظافر الأزدي في بدائعه ، والكتبي في فواته ، والمقريزي في نحله . أما ابن خلدون فقد أشار في تاريخه إلى أن كشاجم كان كاتبا للأعصم القرمطي ، وقد اشتهر بخدمته للقرامطة ، وقد خلط بينه وبين أبيه . لعل أقدم من ذكر ولدي كشاجم ، أو ذكر أن له ولدين هو الثعالبي في يتيمة الدهر كما ذكرنا سابقا . وكان أبو نصر ، مثل أبيه كشاجم ، يرتحل في ربوع الشام ومصر ، ولعل أبا نصر وأبا الفرج كانا مع والدهما كشاجم بمصر أيام القاضي عبد الله بن محمد بن الخصيب ، قاضي الإخشيدية وكافور . وقد روى ابن حجر العسقلاني في كتابه « رفع الإصر عن قضاة مصر » ، مقطوعتين لابن كشاجم ، دون أن يسميه في هجاء القاضي عبد الله بن محمد بن الخصيب . وقد رجعنا سابقا أن يكون أبو نصر هو الذي هجا القاضي ، لا أخوه أبو الفرج ، إذ كان أبو الفرج معجبا بابن عبد الله محمد القاضي بعد أبيه ، وكان بينهما تشابه سماه أبو الفرج نسبا . أما الجامع المشترك بينهما ، أو النسب فهو في شدة الاحساس في اللمس لذلك استبعدنا هجاءه لأبي زميله . وفي مصر ، التقى أبو نصر وزير كافور أبا الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابه ، وحين علم أن أبا الفضل يهم في الخروج إلى متنزهه بالمقس ( 2 ) ، كتب إليه بيتين بماء الذهب على تفاحة حمراء ! وأنفذها إلى الوزير المذكور ، جاء فيهما :