الوحشية والفظائع
على أن أخطر ما أنتجته سياسة دولة ( القومية العربية ) في اثارتها النزاع بين قبائل العرب إلى حد الحروب الدامية ، هو ان هذه الحروب فاقت بشراستها وفظائعها حروب القبائل في الجاهلية بل أدت هذه الحروب إلى ما يصم التاريخ العربي بوصمة العار . فقد كانت الحروب القبلية في الجاهلية انما يثيرها الفقر وطلب المغانم ، لذلك كان الظافرون فيها يحرصون على استبقاء الأسرى لمفاداتهم بالمال . اما في حروب دولة ( القومية العربية ) فقد عادت الحروب القبلية حروب افناء وإبادة لا حروب حصول على الأسرى ، وارتكب فيها من الفظائع ما يخجل الإنسانية كلها لا العرب وحدهم ، ففضلا عن قتل الأسرى وما فيه من شناعة وعار ، فقد جاءت هذه الحروب بما لم يعرفه العرب في تاريخهم من وحشية وفظاعة ، لقد كانت حروب القبائل الجاهلية تتسم دائما بطابع من المروءة العربية الأصيلة التي كانت هي ميزة العربي الأولى لا سيما مع النساء . اما الحروب القبلية التي اثارتها دولة ( القومية العربية ) فقد كان بعض أفعالها بقر بطون النساء الحوامل . ففي وقعة ( ماكسين ) وحدها بقرت قبيلة قيس بطون ألفين من بطون نساء تغلب ( 1 ) وافتخر بذلك شاعرهم نفيع بن صفار المحاربي فقال :
وفي معركة الثرثار ( 2 ) الأولى بين جموع بني سليم وجموع ربيعة التي انهزم فيها بنو سليم ، بقرت ربيعة بطون ثلاثين امرأة من بني سليم . ولما التقت تغلب وقيس يوم الكحيل وانهزمت تغلب وراحت فلولها تحاول عبور دجلة ، غرق القيسيون من التغلبيين بشرا عظيما في النهر وقتلوا من وقع في أيديهم أسيرا وبقروا بطون نسائهم ، وفي معارك ابن خازم مع ربيعة في خراسان التي مرت الإشارة إليها وانتصر فيها ابن خازم ، ظل ابن خازم يقتل كل من وقع في يده من الأسرى حتى غابت الشمس . والظاهرة الملفتة للنظر انه في المدن المتأثرة بسياسة دولة ( القومية العربية ) كانت الفتن تعظم وتشتد وتمتد ففي البصرة مثلا حيث كان التجمع القبلي الكبير : مضر وربيعة والأزد كانت الفتن بين القبائل متواصلة لا تهدأ ولا تستقر ، في حين ان الكوفة غير المتأثرة بسياسة دولة ( القومية العربية ) ، كانت قبائلها على كثرتها وتنوع أصولها متماسكة فلم يظهر فيها نزعات قبلية ذات شان كالتي شهدتها البصرة . والعجيب في أمر هذه القبائل المتنازعة المتقاتلة انها في أعماق نفوسها كانت تحس ان الدولة هي التي تؤرث البغضاء بينها فتدفعها إلى الاحتراب والتعادي . وبدافع من هذا الإحساس رأينا هذه القبائل عندما كانت تلوح لها أول فرصة للثورة على هذه الدولة تنسى كل ما كان بينها من اشتجار وتهاجي واقتتال ، وتهب كلها يمنيها ومضريها وربيعيها وتجتمع على الثورة على دولة ( القومية العربية ) كما حدث في الثورة على ممثل السلطة الحجاج بن يوسف التي فرضت الظروف ان يقودها عبد الرحمن بن الأشعث سنة 81 . فسمعنا شاعر تلك الثورة أعشى همدان ينطق باسم العرب جميعا ، باسم القبائل الثائرة كلها معددا لها قبيلة قبيلة قائلا :