اعتبار الفهرست والانتقادات الموجهة إليه
: حتى نقدر ما لكتب الشيخ الطوسي من اعتبار ، يجمل بنا قبل تناول الكتب بالدرس أن ننظر إلى ما يحتازه مؤلفه من اعتبار . لقد كانت عظمة مقام الشيخ العلمي ورفعة شانه بحيث لا يطرأ على الذهن سوى التسليم بعظمة كتبه ورفعة مكانتها . إن كتبه في كل قسم كانت فتحا لطريق جديد وابتكارا لأسلوب وعرضا لقدرة علمية فائقة يندر وجود سابقة لها . فلا يخفى على أحد أن كتابيه « التهذيب » و « الاستبصار » في عداد كتب الحديث الأربعة المشهورة وكتبه الفهرست والرجال واختيار الرجال ثلاثة من الأصول الأربعة العمدة في علم الرجال . وكتبه الأخرى ، كل في قسمه الخاص من تفسير وكلام وأصول وفقه ممتاز مشخص على خط من الابتكار . وعليه ، فان الخدش في آرائه ونظراته في فن الرجال أمر صعب وبعيد عن الاحتياط . وبالفعل كان كتاباه الفهرست والرجال فيما بعده من الأدوار مورد اهتمام وعناية العلماء الكبار المشهورين أمثال المحقق والعلامة وابن طاوس والشهيد وغيرهم . وعلى حد قول العلامة الكلباسي في سماء المقال ( ص 52 ) : لقد نظر إلى مشهوري العلماء والتواثيق والتضعيفات وغيرها من نظراته للرجال بعين الاعتبار والإتقان . وعلى الرغم من هذا كله ، لا نستطيع أن نصف كل أقوال الشيخ الكبير الطوسي في الرجال بالصحة ، ونغمض العين عن وجود بعض الاشتباهات في كتبه ، وان وجب الإذعان لكون هذه الاشتباهات نادرة وتعتبر بطبيعة الحال كلا شيء بجانب نظرات شيخ الطائفة الدقيقة الصائبة . ولقد أشار المحقق الرجالي في أيامنا هذه الشيخ محمد تقي الشوشتري في عموم كتابه التحليلي الجامع « قاموس الرجال » إلى موارد أخطاء الشيخ ( قدس سره ) الواقعة في كتابيه « الفهرست » و « الرجال » ومن جملة ذلك ما عرضه في الفصل العشرين من مقدمات الكتاب المذكور من نموذج لها في ترجمة « أبي غالب الزراري » . وبناء على ما أظهره المحقق المذكور ، فان الموجب الأصلي لاشتباهات الشيخ هو أنه نقل في موارد كثيرة عن « فهرست ابن النديم » وهو غير بالغ في دقته وليس محلا للاعتماد . ومن ثم كلما وجد اختلاف بين نظر الشيخ والنجاشي في مورد ما ، فان كلام النجاشي هو المقدم ، لأنه لم ينقل في كتابه كله عن الكتاب المذكور الا مرة واحدة ( 1 ) ومع هذا ، لا نستطيع أن نحكم بصورة دائمة بتقديم كلام النجاشي على الشيخ في موارد الاختلاف بينهما ، إذ أن الحكم في غالب الموارد هو القرائن والأمارات الخارجية . ( وسوف نستوفي الكلام في هذا الصدد في قسم تحت عنوان المقارنة بين فهرست النجاشي والشيخ ) .
ما كتب من الكتب على محور الفهرست
: ان التذييلات والترتيبات المتعددة التي كتبت على محور هذا الكتاب فيما بعد الشيخ من أدوار ، دليل بارز على اهتمام الأصحاب به . وسنذكر تحت كل ما وصلنا إليه في هذا المجال : 1 - معالم العلماء : تأليف رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني ( المتوفى سنة 588 ) هذا الكتاب بناء على تصريح مؤلفه كتب لتتمة وتكملة « فهرست » الشيخ - رحمة الله عليه - ويشتمل علاوة على ما ورد في الفهرست من أسماء ، على أسماء جماعة من المعاصرين والمتأخرين عن الشيخ أيضا . ومجموع من ورد ذكرهم فيه 990 شخصا ما عدا الشعراء . فإنهم اختصوا بفصل في الآخر لذكر أسمائهم أيضا . وهذا الكتاب ولو أنه يشتمل على أسماء 90 شخصا و 600 كتاب علاوة على المذكورين في الفهرست ، الا أنه نظرا لحذف الأستاذ يبدو مختصرا في مجموعه بالنسبة للكتاب المذكور . وأحيانا ما يعقب أسماء الأفراد بالإشارة إلى توثيقهم أو ضعفهم وكذلك تاريخ وفاتهم . وهذا امتياز آخر لهذا الكتاب على فهرست الشيخ . وفي ترتيب الأسماء روعي الحرف الأول ، أما الحرف الثاني والثالث . . . فلم تراع . وعليه فهناك ترتيب بين « أحمد » و « بلال » ولا ترتيب بين « إبراهيم » و « احمد » . وطبع هذا الكتاب لأول مرة سنة 1353 في طهران بعناية المرحوم عباس إقبال الذي قام بتصحيحه ومقابلته والتقديم له . وطبع مرة أخرى سنة 1381 مع تعليق ومقدمة مفصلة للسيد صادق بحر العلوم في 153 صفحة في المطبعة الحيدرية بالنجف . وهو في متناول اليد . 2 - فهرست الشيخ منتجب الدين علي بن أبي القاسم عبيد الله بن بابويه القمي ( وتوفي بعد 585 ) . ( 2 ) اسم هذا الكتاب « أسماء مشايخ الشيعة ومصنفيهم » . وموضوعه ، ذكر أصحاب الأصول والمصنفين الذين جاؤوا بعد الشيخ الطوسي أو عاصروه ولم ترد أسماؤهم في « الفهرست » . فهذا يتفاوت من حيث الموضوع ، لاشتماله على المعاصرين والمتأخرين عن الشيخ ، مع كتاب معاصره يعني معالم العلماء المتضمن للمتقدمين على الشيخ . وبناء على تحقيق عباس إقبال في مقدمة معالم العلماء ، فان هذين الكتابين مع كونهما من عالمين معاصرين وانهما صدرا في وقت واحد تقريبا ، قد كتبا دون علم لأحدهما بالآخر . وهذه الحقيقة لا تقبل الشك بالنسبة للشيخ منتجب الدين ، لأنه في مقدمة كتابه بعد أن ذكر الفهرست ، أضاف قوله : « ولم يصنف بعده شيء من ذلك . . . » وعليه ، فاما أن يكون معالم العلماء في ذلك التاريخ ما زال يؤلف بعد ، وأما أنه لم يصل