اللهمّ احفظ حسناً وحسيناً ولا تمكّن فجرة قريش منهما ما دمتُ حيّاً ، فإذا
توفّيتني فأنت الرقيب عليهم ، وأنت على كلّ شيء شهيد ( 1 ) .
6102 - شرح نهج البلاغة : قال له قائل : يا أمير المؤمنين ، أرأيت لو كان
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم ، وآنس منه الرشد ؛ أكانت العرب تسلّم
إليه أمرها ؟
قال : لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلتُ . إنّ العرب كرهت أمر محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ،
وحسدته على ما آتاه الله من فضله ، واستطالت أيّامه حتى قدفت زوجته ،
ونفّرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليها ، وجسيم مننه عندها ، وأجمعت - مذ كان
حيّاً - على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته ، ولولا أنّ قريشاً جعلت اسمه
ذريعة إلى الرياسة ، وسلّماً إلى العزّ والإمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ،
ولارتدّت في حافرتها ( 2 ) ، وعاد قارِحها جَذَعاً ، وبازِلها بِكْراً ( 3 ) ، ثمّ فتح الله عليها
الفتوح ، فأثْرَتْ بعد الفاقة ، وتموّلت بعد الجهد والمخمصة ؛ فحسن في عيونها
من الإسلام ما كان سَمِجاً ( 4 ) ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان
مضطرباً ، وقالت : لولا أنّه حقّ لما كان كذا .
ثمّ نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحسن تدبير الأُمراء القائمين بها ،
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة : 20 / 298 / 413 .
( 2 ) قال الميداني : " عاد في حافرته " أي عاد إلى طريقته الأُولى . يُضرب في عادة السوء يدعها صاحبها
ثمّ يرجع إليها ( مجمع الأمثال : 2 / 359 / 2482 ) .
( 3 ) القارح : الناقة أوّل ما تحمل . والجَذَع من الإبل : ما استكمل أربعة أعوام . والبازِل منها هو ما استكمل
السنة الثامنة وظعن في التاسعة وفطر نابه . والبِكر : الفتيّ من الإبل بمنزلة الغلام من الناس ( انظر لسان
العرب : 2 / 559 وج 8 / 43 وج 11 / 52 وج 4 / 79 ) .
( 4 ) سَمُج الشيءُ فهو سَمِج : أي قبح فهو قبيح ( النهاية : 2 / 399 ) .