كلمات لا تتجاوز السطرين أو الثلاثة ؛ إمّا في موعظة تتضمّن ذكر الموت أو ذمّ
الدنيا أو ما يتعلّق بحرب وقتال من ترغيب أو ترهيب ، فأمّا الكلام في الملائكة
وصفاتها وصورها وعباداتها وتسبيحها ومعرفتها بخالقها وحبّها له وولهها إليه ،
وما جرى مجرى ذلك ممّا تضمّنه هذا الفصل على طوله فإنّه لم يكن معروفاً
عندهم على هذا التفصيل ، نعم ربّما علموه جملة غير مقسّمة هذا التقسيم ولا
مرتّبة هذا الترتيب بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم .
وأمّا من عنده علم من هذه المادّة كعبد الله بن سلام وأُميّة بن أبي الصلت
وغيرهم فلم تكن لهم هذه العبارة ولا قدَروا على هذه الفصاحة ، فثبت أنّ هذه
الاُمور الدقيقة في مثل هذه العبارة الفصيحة لم تحصل إلاّ لعليّ وحده ، واُقسم إنّ
هذا الكلام إذا تأمّله اللبيب اقشعرّ جلده ورجف قلبه ، واستشعر عظمة الله العظيم
في روعه وخلده وهام نحوه وغلب الوجد عليه ، وكاد أن يخرج من مُسكه شوقاً
وأن يفارق هيكله صبابةً ووجداً ( 1 ) .
وقال في ذيل الخطبة 109 : هذا موضع المثل : " في كلّ شجرة نارٌ ، واستمجد
المَرْخ والعَفار ( 2 ) " الخطب الوعظيّة الحسان كثيرة ، ولكن هذا حديث يأكل
الأحاديث :
محاسن أصناف المغنين جمّةٌ * وما قصبات السبق إلاّ لمعبد
من أراد أن يتعلّم الفصاحة والبلاغة ويعرف فضل الكلام بعضه على بعض
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة : 6 / 425 .
( 2 ) المَرْخ : من شجر النار ، سريع الوَرْي ، والعَفار : شجر يُتّخذ منه الزناد ( تاج العروس : 4 / 311 وج
7 / 243 ) . قال الميداني : استمجد المرخُ والعَفار : أي استكثرا وأخذا من النار ما هو حسبهما يُضرب
في تفضيل بعض الشيء على بعض ( مجمع الأمثال : 2 / 445 ) .