الأمل ، يقول في الدنيا قول الزاهدين ، ويعمل فيها عمل الراغبين ، إن أعطي منها
لم يشبع ، وإن منع منها لم يقنع ، يعجز عن شكر ما أوتي ، ويبتغي الزيادة فيما بقي ،
ويأمر ولا يأتي ، وينهى ولا ينتهي ، يحبّ الصالحين ولا يعمل بأعمالهم ، ويبغض
الظالمين وهو منهم ، تغلبه نفسه على ما يظنّ ، ولا يغلبها على ما يستيقن ، إن
استغنى فُتن ، وإن مرض حزن ، وإن افتقر قنط ووهن ، فهو بين الذنب والنعمة
يرتع ، يُعافى فلا يشكر ، ويُبتلى فلا يصبر ، كأن المحذَّر من الموت سواه ، وكأن
من وعِد وزُجر غيره .
يا أغراض المنايا ! يا رهائن الموت ! يا وعاء الأسقام ! يا نهبة الأيام ! ويا ثقل
الدهر ! ويا فاكهة الزمان ! ويا نور الحدثان ! ويا خرس عند الحجج ! ويا من
غمرته الفتن وحيل بينه وبين معرفة العبر بحقّ ! أقول : ما نجا من نجا إلاّ بمعرفة
نفسه ، وما هلك من هلك إلاّ من تحت يده ، قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ
أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) ( 1 ) جعلنا الله وإياكم ممن سمع الوعظ فقبل ، ودُعي إلى العمل
فعمل ( 2 ) .
هامش
( 1 ) التحريم : 6 .
( 2 ) كنز العمّال : 16 / 205 / 44229 نقلاً عن ابن النجّار .