فاحذر الشبهة واشتمالها على لُبْستها ؛ فإنّ الفتنة طالما أغدفت جلابيبها
وأغشت الأبصار ظلمتها . وقد أتاني كتاب منك ذو أفانين من القول ، ضعفت
قواها عن السِّلْم ، وأساطير لم يحُكها منك علم ولا حلم ، أصبحت منها كالخائض
في الدَّهاس ( 1 ) ، والخابط في الدِّيماس ( 2 ) ، وترقّيت إلى مرقَبة بعيدة المرام ، نازحة
الأعلام ، تقصر دونها الأنُوق ، ويحاذي بها العَيُّوق ( 3 ) .
وحاشَ لله أن تلي للمسلمين بعدي صدراً أو وِرداً ، أو أُجري لك على أحد
منهم عقداً أو عهداً ، فمن الآن فتدارك نفسك وانظر لها ؛ فإنّك إن فرَّطت حتى
ينهدَ ( 4 ) إليك عباد الله أُرْتِجَتْ عليك الأُمورُ ، ومُنِعت أمراً هو منك اليوم مقبول .
والسلام ( 5 ) .
2404 - الأمالي للطوسي عن ثعلبة بن يزيد الحمّاني : كتب أمير المؤمنين عليّ بن
أبي طالب ( عليه السلام ) إلى معاوية بن أبي سفيان :
أمّا بعد ؛ فإنّ الله تعالى أنزل إلينا كتابه ، ولم يدعنا في شبهة ولا عذر لمن ركب
ذنباً بجهالة ، والتوبة مبسوطة ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ( 6 ) وأنت ممّن شرع
هامش
( 1 ) الدهاس : من رواها بالكسر فهو جمع دَهْس ، ومن قرأها بالفتح فهو مفرد ، يقول : هذا دَهسٌ ودَهاس
- بالفتح - للمكان السهل الذي لا يبلغ أن يكون رملا ، وليس هو بتراب ولا طين . ( شرح نهج البلاغة :
18 / 26 ) .
( 2 ) الدِّيْماس : السَّرَب المُظلم تحت الأرض ( شرح نهج البلاغة : 18 / 26 ) .
( 3 ) الأنُوقْ - كأكول - : طائر ؛ وهو الرَّحْمَة ، والعَيّوق كوكب معروف فوق زحل في العلو . وهذه أمثال
ضَرَبها في بُعد معاوية عن الخلافة ( شرح نهج البلاغة : 18 / 27 ) .
( 4 ) أي ينهض . ونَهَدَ القوم لعدوّهم ، إذا صمدوا له ، وشرعوا في قتاله ( النهاية : 5 / 134 ) .
( 5 ) نهج البلاغة : الكتاب 65 ، بحار الأنوار : 33 / 118 / 410 .
( 6 ) الأنعام : 164 .