وجاء في " لسان العرب " : المُتَعَمِّق : المبالغ في الأمر المتشدّد فيه الذي يطلب
أقصى غايته ( 1 ) .
ونجد هذا المعنى أيضاً في كلام المحدّثين ؛ فقد ذهبوا في شرح روايات جمّة
إلى أنّ التعمّق هو الإغراق في الخروج عن الاعتدال ، والإفراط في مقابل
الاعتدال ( 2 ) .
إنّ التنقيب عن مواضع استعمال " التعمّق " في المعاجم والأحاديث الإسلاميّة
المنقولة في مصادر الفريقين لا يُريب الباحث في أنّ المراد من هذه الكلمة في
الثقافة الإسلاميّة ليس إلاّ الإفراط ، والتطرّف ، والخروج عن الاعتدال . وعلى
أيّ حال لو لم يكن إلاّ الحديث الذي أوردناه آنفاً لكفى به برهاناً على ما نقول .
وكان النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) يوصي أصحابه دائماً ألاّ يتجاوزوا حدّ الاعتدال في أُمور
الدين ، ولا يُحرجوا أنفسهم ، ولا يفقدوا حماسهم ونشاطهم في العبادة ، وأن
يُراعوا حدود السنّة ، ولأنّ المجال هنا يضيق عن ذكر جلّ وصاياه وتعاليمه
التربويّة المليئة بالدروس والعبر ، الجديرة بالقراءة والتأمّل . فإننا نذكر نزداً
يسيراً منها :
" ألا وإنّ لكلّ عبادة شِرّة ، ثمّ تصير إلى فترة ، فمن صارت شرّة عبادته إلى
سنّتي فقد اهتدى ، ومن خالف سنّتي فقد ضلّ ، وكان عمله في تباب ، أما إنّي
هامش
( 1 ) لسان العرب : 10 / 271 ، النهاية : 3 / 299 .
( 2 ) قال المجلسي في بيان ما روي عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : " لا تعمّق في الوضوء " : أي بإكثار الماء ، أو
بالمبالغة كثيراً في إيصال الماء زائداً عن الإسباغ المطلوب " . بحار الأنوار : 80 / 258 وراجع وسائل
الشيعة : 1 / 434 " باب استحباب صفق الوجه بالماء قليلا عند الوضوء وكراهة المبالغة في الضرب ،
والتعمّق في الوضوء " وصحيح البخاري : 6 / 2661 " باب ما يكره من التعمّق والتنازع في العلم والغلوّ
في الدين والبِدع " .