المُنى فإنّها بضائع الموتى ، والعقل حفظُ التجارب . وخير ما جرّبت ما وعظك .
بادر الفرصة قبل أن تكون غُصّةً . ليس كلّ طالب يُصيب ، ولا كلّ غائب يؤوب .
ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد . ولكلّ أمر عاقبةٌ . سوف يأتيك ما قُدّر
لك . التاجر مخاطرٌ . ورُبَّ يسير أنمى من كثير ! لا خير في مُعين مَهين ولا في
صديق ظنين . ساهل الدهر ما ذلّ لك قعوده . ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه .
وإياك أن تجمح بك مطيّة اللجاج . احمل نفسك من أخيك عند صرمه ( 1 ) على
الصلة ، وعند صدوده على اللطف والمقاربة ، وعند جموده على البذل ، وعند
تباعده على الدنوّ ، وعند شدّته على اللين ، وعند جرمه على العذر حتى كأنّك له
عبدٌ وكأنّه ذو نعمة عليك . وإيّاك أن تضع ذلك في غير موضعه ، أو أن تفعله بغير
أهله . لا تتّخذنّ عدوّ صديقك صديقاً فتعادي صديقك . وأمحض أخاك النصيحة
حسنةً كانت أو قبيحةً . وتجرّع الغيظ ( 2 ) فإنّي لم أر جُرعةً أحلى منها عاقبةً ولا
ألذّ مغبّةً ! ولمن غالظك فإنّه يوشك أن يلين لك . وخذ على عدوّك بالفضل فإنّه
أحلى الظفرين . وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّةً ترجع إليها إن
بدا له ذلك يوماً ما . ومن ظنّ بك خيراً فصدّق ظنّه . ولا تُضيعنّ حقّ أخيك اتّكالاً
على ما بينك وبينه ، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه . ولا يكن أهلك أشقى
الخلق بك . ولا ترغبنّ فيمن زهد فيك . ولا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك
منك على صلته . ولا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان . ولا يكبرنّ
عليك ظلم من ظلمك فإنّه يسعى في مضرّته ونفعك . وليس جزاء من سرّك أن
تسوءه .
هامش
( 1 ) الصَّرمُ : القطع البائن ، والهِجْرانُ ( لسان العرب : 12 / 334 ) .
( 2 ) الغَيْظ : الغَضَبُ ، وقيل : هو أشدُّ من الغضب ( لسان العرب : 7 / 450 ) .