ذكروا أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان أيّام اقامته بمكّة يجاهر ببعض القرآن ، ويُخفي
بعضه إشفاقاً على نفسه من أذى المشركين أو اليهود ، وخوفاً ممّا يمكن أن
يوقعوه به !
وممّا يبعث على الأسف أن يلتزم بعض الناس أحياناً بأقوال واهية وبآراء لا
تليق كهذه . أفيجوز مثل هذا الظنّ على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ثمّ هذه حياته التي تتفجّر
بالحيويّة والحركة ، وهذه سيرته كلّها مضاء وحزم وصِدام مع مظاهر الشرك
والجاهليّة ، فهل تجتمع هي وهذا الظنّ الواهي ؟ وهل تستحقّ حياة نبيّ الله هذه
الكلمات ؟ !
إنّ ما تضمّه تفاسير أهل السنّة ومجاميعها الروائيّة من أقوال ورؤى حيال
الآية ، لا يتعدّى ذلك الرصد الذي قدّمه الفخر الرازي للأقوال في المسألة ، وَحين
نتفحّص بقيّة الأقوال التي أحصاها الرازي فهي أضعف وأكثر وهناً من الرأي
الذي عرضناه قبل قليل .
أمّا آخر الأقوال فقد ذكره الفخر الرازي على النحو الآتي : " نزلت الآية في
فضل عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ولمّا نزلت هذه الآية أخذه بيده ، وقال : من كنت
مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ والِ من ولاه ، وعادِ من عاداه فلقيه عمر فقال : هنيئاً يا
بن أبي طالب ! أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة ، وهو قول ابن عبّاس
والبراء بن عازب ومحمّد بن عليّ " ( 1 ) .
ثم انعطف الفخر الرازي ليقول : " واعلم أنّ هذه الروايات وإن كثرت إلاّ أنّ
الأولى حمله على أنّه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمَره بإظهار التبليغ
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 12 / 53 .