وقد كانت لابن الجصاص محن بعد ذلك في أيام المقتدر ، وما كان من القَبْض عليه ، وما أخذ منه من الأموال بهذا السبب وغيره ، وحمل المعتضد صداق قطر الندى وهو بمدينة بلد إلى أبي الجيش ، وكان الصداق ألف ألف درهم وغير ذلك من المتاع والطيب ولطائف الصين والهند والعراق ، وكان مما خص به أبا الجيش في نفسه وحَباه به بَدْرة من الجوهر المثمن فيها دُر وياقوت وأنواع من الجوهر ووشاح وتاج وإكليل ، وقيل : قلنسوة ، وكرزن وكان وصولهم إلى مصر في رجب سنة ثمانين ومائتين ، وانحدر المعتضد من مدينة بلد والموصل بعد أن حمل ما وصفنا إلى مدينة السلام في الماء .
ابن الجصاص :
وحدث أبو سعيد أحمد بن الحسين بن منقذ قال : دخلت يوماً على الحسن بن الجصاص وإذا بين يديه سفط مبطن بالحرير فيه جوهر قد نظم منه سبح ، فرأيت شيئاً حسناً ووقع في نفسي أن عددها يجاوز العشرين ، فقلت له : جعلني الله فداك ! كم عدد ما في كل سبحة ؟
فقال لي : مائة حبة ، وزن كل حبة كوزن صاحبتها لا تزيد ولا تنقص ، قد عدلت كل سبحة وزن صاحبتها ، وإذا بين يديه سبائك ذهب توزن بقَبَّان كما يوزن الحطب ، فلما خرجت من عنده تلقاني أبو العيناء فقال لي : يا أبا سعيد : على أي حال تركت هذا الرجل ؟
فوصفت له ما رأيت ، فقال رافعاً رأسه إلى السماء : اللهم إن كنت لم تُساوِ بيني وبينه في الغنى ، فساوِ بيني وبينه في العمى ، ثم اندفع يبكي ، فقلت : يا أبا عبيد الله ، ما شأنك ؟ فقال : لا تنكو ما رأيت مني ، لو رأيت ما رأيت لضعفت ، ثم قال : الحمد لله على هذه الحالة ، وقال : يا أبا سعيد ، ما حمدْتُ الله تعالى على العمى إلا في وقتي هذا ، فقلت لمن يخبر حال ابن الجصاص : بأي شيء ختم هذا السبح ؟ فقال : بياقوتة حمراء لعل قيمتها أكثر مما تحتها
أبو العيناء :
وكانت وفاة أبي العيناء سنة اثنتين وثمانين ومائتين بالبصرة
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 146
مساهمون: المسعودي
ص١٤٦