تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥

صائف في وقت الظهر لا أدري أين أتوجه ، فصرت إلى زقاق ولا منفذ له ، فرأيت أسوَدَ على باب دار ، فصرت اليه وقلت له : أعندك موضع أقيم فيه ساعة من نهار ؟ فقال : نعم ، وفتح بابه ، فدخلت إلى بيت فيه حصير نظيف ووسادة جلد نظيفة ، ثم تركني وأغلق الباب في وجهي ومضى ، فتوهمته قد سمع الجعالة في ، وأنه خرج ليدل عليّ ، فبينما انا كذلك إذ اقبل ومعه طبق ( 1 ) عليه كل ما يحتاج اليه من خبز ولحم ، وقدر جديد وآلتها وجرَّة نظيفة وكيزان نظاف ، كل ذلك جديد ، وقال لي : جعلني الله فداك ، اني حجام ، واني اعلم انك تتقذر ما اتولاه ، فشأنك بما لم تقع عليه يدي ، وكانت بي حاجة شديدة إلى الطعام ، فقمت فطبخت لنفسي قدراً ما اذكر اني اكلت أطيَبَ منها ، ثم قال لي بعد ذلك : هل لك في النبيذ ؟ فقلت : ما اكره ذلك ، ففعل مثل فعله في الطعام ، وأتاني بكل شيء نظيف لم يَمسَّ شيئاً منه بيده ، ثم قال لي بعد ذلك : أتأذن لي جعلني الله فداك ان اقعد ناحية منك فآتي بنبيذ فأشرب منه سروراً بك ؟ قال : فقلت : افعل ذلك ، فلما شرب ثلاثاً دخل خزانة له وأخرج منها عوداً وقال : يا سيدي ، ليس من قدري ان أسألك ان تغني ، ولكن قد وجبت عليك حرمتي ، فإن رأيت أن تشرف عبدك بأن تغنيه ، قال : فقلت : وكيف توهمت عليَّ اني أحسن الغناء ؟ فقال متعجباً : يا سبحان الله ! ! أنت اشهر من أن لا أعرفك ، أنت إبراهيم بن المهدي الذي جعل المأمون لمن دل عليك مائة ألف درهم ، قال : فلما قال لي ذلك تناولت العود ، فلما هممت بالغناء قال : يا سيدي أتجعل ما تغنيه ما اقترحه عليك ؟ قلت : هات ، فاقترح ثلاثة أصوات أتقدم فيها كل من غنى ، قلت : هبك عرفتني ، هذه الأصوات من اين لك بمعرفتها ؟ قال : انا أخدم إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، وكثير ما كنت اسمعه يذكر المحسنين وما يجيدونه ، ولم أتوهم اني اسمع ذلك منك في منزلي ، فغنيته ، وأنست به ،

هامش
( 1 ) في نسخة : ومعه حمال عليه إلخ .
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 445 | المسعودي