فرحب وأجلسني في أجل موضع ، فجيء يا أمير المؤمنين بالمائدة وعليها خبز نظيف ، وأتينا بتلك الألوان : فكان طعمها أطيب من رائحتها ، فقلت في نفسي : هذه الألوان قد أكلتها ، وبقي الكف والمعصم ، ثم رفع الطعام فغسلنا أيدينا ، ثم صرنا إلى مجلس المنادمة ، فإذا هو أنبلُ مجلس وأجلُّ فرش ، وجعل صاحب المجلس يلطف بي ويقبل علي بالحديث ، والرجلان لا يشكان أنه مني بسبيل ، وإنما كان ذلك الفعل منه بي لمّا ظنّ أني منهما بسبيل ، حتى إذا شربنا أقداحاً خرجت علينا جارية تتثنى كأنها غصنُ بانٍ ، فسلمت غير خجِلة ، وهيئت لها وسادة ، وأتي بعُود فوضع في حجرها ، فجسته فتبينت الحذق في جسها ، ثم اندفعت تغني :
توهَّمها طَرْفي فآلم خدها
فصار مكان الوهم من نظري أثْرُ
وصافحها كفي فآلم كفها
فمن لمْسِ كفي في أناملها عَقْرُ
ومرَّتْ بقلبي خاطراً فجرحتها
ولم أر شيئاً قط يجرحه الفكر
فهيجت والله يا أمير المؤمنين عليّ بلابلي ، وطربت لحسن غنائها وحذقها ، ثم اندفعت تغني :
أشرْت إليها : هل علمت مودتي
فردَّتْ بطرف العين : إني على العهد
فحدت عن الإظهار عمداً لسرها
وحادت عن الإظهار أيضاً على عمد
فصحت السلامة ، وجاءني من الطرب ما لا أملك معه النفس ولا الصبر ، واندفعت تغني :
أليس عجيباً أن بيتاً يضمني
وإياك لا نخلو ولا نتكلمُ
سوى أعين تشكو الهوى بجفونها
وترجيع أحشاء على النار تضرم
إشارة أفواه ، وغمز حواجب
وتكسير أجفان ، وكفّ يسلَّم
فحسدتها والله يا أمير المؤمنين على حِذقها ، ومعرفتها بالغناء ، وإصابتها معنى الشعر ، وأنها لم تخرج من الفن الذي ابتدأته ، فقلت : بقي عليك يا جارية شيء ، فغضبت وضربت بعودها الأرض ، ثم قالت : متى كنتم