الغربي ، وعملت المنجنيقات بين الفريقين وكثر الحريق والهدم ببغداد والكرخ وغيره من الجانبين ، حتى درست محاسنها ، واشتد الأمر ، وتنقل الناس من موضع إلى موضع ، وعم الخوف ، فقال الشاعر :
من ذا أصابك يا بغداد بالعين
ألم تكوني زماناً قرة العين ؟
ألم يكن فيك قوم كان قربهم
وكان مسكنهم زيناً من الزين ؟
صاح الزمان بهم بالمبين فانقرضوا
ما ذا لقيت بهم من لوعة البين ؟
استودع الله قوماً ما ذكرتهم
إلا تحدَّر ماء الدمع من عيني
كانوا ففرَّقهم دهر وصدّعهم
والدهر يصدع ما بين الفريقين
ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين أربعة عشر شهراً ، وضاقت بغداد بأهلها ، وتعطلت المساجد ، وتركت الصلاة ، ونزل بها ما لم ينزل بها قط مثله ، مذ بناها أبو جعفر المنصور ، وقد كان لأهل بغداد في أيام حرب المستعين والمعتز حرب نحو هذا من خروج العيارين إلى الحرب وقد اتخذوا خيلًا منهم وأمراء كالملقب بنينويه خالويه وغيرهم ، يركب الواحد منهم على واحد من العيارين ويسير إلى الحرب في خمسين ألف عراة ، ولم ينزل بأهل بغداد شر من هذا الحرب حرب المأمون والمخلوع ، وقد استعظم أهل بغداد ما نزل بهم في هذا الوقت في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة من خروج أبي إسحاق المتقي لله عنهم ، وما كان قبل هذا الوقت من البريديين ، وابن رائق وتوزون التركي ، وما دفعوا اليه من الوحشة بخروج أبي محمد الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان الملقب بناصر الدولة وأخيه علي بن عبد الله الملقب بسيف الدولة عليهم ، لبعد العهد مما حلَّ بالمنازل بها ، وطول السنين ، وغيبة ذلك عنهم وبعدهم منه ، وتقدم مثل أولئك العيارين الذين كانوا في ذلك العصر ، واشتد الأمر بين المأمونية والعراة وغيرهم من أصحاب المخلوع ، وحوصِرَ محمد في قصره من الجانب الغربي ، فكان بينهم في بعض الأيام وقعة تفانى فيها خلق كثير من الفريقين ، فقال في ذلك حسين الخليع :