جعفر كل مبلغ ، فدخلت ذات يوم على الرشيد فقالت : يا أمير المؤمنين ، ما يحمل يحيى على ما لا يزال يفعله من منعه إياي من خدمي ووضعه إياي في غير موضعي ؟ فقال لها الرشيد : يحيى عندي غير متهم في حرمي ، فقالت : ان كان كذلك لحفظ ابنه مما أرتكبه ، فقال : وما ذاك ؟ فخبرته بالخبر وقَصَّت عليه قصة العباسة مع جعفر ، فسقط في يده ، وقال لها : هل لك على ذلك من دليل أو شاهد ؟ قالت : وأي دليل أدل من الولد ؟ قال : وأين الولد ؟ قالت : قد كان ههنا ، فلما خافت ظهور أمره وَجَّهته إلى مكة فقال لها : أفيعلم هذا أحد غيرك ؟ قالت : ما في قصرك جارية إلا وقد علمت به ، فأمسك عن ذلك ، وطوى عليه كشْحاً ، وأظهر أنه يريد الحج ، فخرج هو وجعفر بن يحيى ، وكتبت العباسة إلى الخادم والحاضنة أن يخرجا بالصبي إلى اليمن ، فلما صار الرشيد إلى مكة وكَّلَ من يثق به بالفحص والبحث عن أمر الصبي والداية والخادم ، فوجد الأمر صحيحاً ، فلما قضى حجه ورجع أضمر في البرامكة على إزالة نعمهم ، فأقام ببغداد مُدَيدة ، ثم خرج إلى الأنبار ، فلما كان في اليوم الذي عزم فيه على قتل جعفر دعا بالسندي بن شاهك ، فأمره بالمضي إلى مدينة السلام والتوكيل بدور البرامكة ودور كُتَّابهم وأبنائهم وقراباتهم وأن يجعل ذلك سراً من حيث لا يكلم به أحداً حتى يصل إلى بغداد ثم يُفضي بذلك لمن يثق به من أهله وأعوانه ، فامتثل السندي ذلك وقعد الرشيد وجعفر عنده في موضع يعرف في الأنبار بالعمر ( 1 ) ، فأقاما يومها بأحسن هيئة وأطيب عيش ، فلما انصرف جعفر من عنده خرج الرشيد حتى ركب مشيعاً له ثم رجع الرشيد فجلس على كرسي ، وأمر بما كان بين يديه فرفع فمضى جعفر إلى منزله وفيه فضلة من الشراب ، ودعا بأبي زكار المغني الطنبوري وابن أبي شيخ كاتبه ، ومُدَّت ستارة وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنين ، وأبو زكار يغنيه :
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 378
مساهمون: المسعودي
ص٣٧٨
هامش
( 1 ) في نسخة : بالقمر .