( يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) ( 1 ) ، وقال :
( أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ) ( 2 ) ، وقال : ( لقد كفر الذين قالوا إن
الله هو المسيح بن مريم ) ( 3 ) .
ثم المذمة لم تكن على اعتقاد الشفاعة ، أو التقرب زلفى ، بل على العبادة بهذا
القصد ، والمراد بالعبادة أعمال خاصة كما بيناه .
وقولك ( إن ذلك حقيقة دين المشركين ، كقوم نوح وعاد وثمود ) كيف ذلك ، وقد أخبر
الله عنهم بقوله : ( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ) ، إلى قوله :
( فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به ) ( 4 ) وأخبر عن قوم
( عاد ) أنهم قالوا لهود : ( وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ) ( 5 ) وعن قوم صالح أنهم
قالوا له : ( أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ) ( 6 ) وعن قوم شعيب أنهم قالوا له :
( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ) ( 7 ) ، وعن قوم إبراهيم أنهم كذبوا الرسل .
فهؤلاء الطوائف بصريح القرآن كذبوا الرسل ، وردوا قولهم ، وعاندوهم ، فلو كانوا
مقرين لكانوا كفارا لكفر العناد ككفر إبليس .
فيا أخي أقسمت عليك بمن خلقنا من تراب ، ثم أودعنا الأصلاب أن تترك الجدال ،
وتتأمل في حقيقة الحال ، كيف تشبه أعمال المسلمين بأعمال عبدة الأصنام وغيرها مع
أنهم أنكروا نبوة الأنبياء ، وردوا عليهم بعد أن أمروهم ، ولم يسمعوا لهم قولا ،
ولا قبلوا لهم فعلا .
ثم أنهم عبدوا طواغيتهم بالعبادة الحقيقية ، لاعتقاد أن لهم تصرفا في
الأكوان ، أو في إرضاء الملك الديان ، وإلا لم يذمهم الرحمن ، ولا أنكر عليهم كل فعل
كان .
ثم تعللوا بأنا لا نقدر على عبادة الله سبحانه ، فنعبدهم ونكتفي بعبادتهم وهم
يقربونا ، كما أوردنا بذلك بعض الروايات في بعض المقامات .
هامش
( 1 ) القرآن الكريم : 5 / 116 ( سورة المائدة ) .
( 2 ) القرآن الكريم : 6 / 19 ( سورة الأنعام ) .
( 3 ) القرآن الكريم : 5 / 17 ( سورة المائدة ) .
( 4 ) القرآن الكريم : 14 / 9 ( سورة إبراهيم ) .
( 5 ) القرآن الكريم : 11 / 53 ( سورة هود ) .
( 6 ) القرآن الكريم : 11 / 62 ( سورة هود ) .
( 7 ) القرآن الكريم : 11 / 78 ( سورة هود ) .