الابتداع ( 1 ) .
ثم ( العبادة ) تختلف باختلاف النيات ، فمن قصد حقيقة العبادة اختراعا
وابتداعا ، ومخالفة لأمر الله سبحانه كان كافرا ، سواء قصد القرب إلى الله زلفى أو
لا ، بل هذا في الحقيقة عين العناد والشقاق بعد نهي الأنبياء والرسل .
كما قال قوم ( شعيب ) له : ( يا شعيب أصلاتك تأمرك ان نترك ما يعبد آباؤنا أو أن
نفعل في أموالنا ما نشاء ) ( 2 ) .
وقال الصديق : ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ،
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ) ( 3 ) .
وحكى الله عن قوم نوح وعاد وثمود أنهم ردوا أيديهم في أفواههم ، وقالوا :
( إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ) ( 4 ) إلى غير ذلك
من الآيات الدالة على ردهم على الأنبياء ، وبنائهم على الاختراع والابتداع .
وفي الاحتجاج : في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أقبل في
مشركي العرب ، فقال لهم : وأنتم فلم عبدتم الأصنام من دون الله ؟ فقالوا : نتقرب بها
إلى الله زلفى ، فقال : أو هي سامعة مطيعة عابدة لربها حتى تتقربوا بها إلى الله ؟
قالوا : لا ، قال : أفأنتم نحتموها بأيديكم ؟ فقالوا : نعم ، قال : فلئن تعبدكم هي أحرى من
أن تعبدوها ، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العالم بمصالحكم ، وعواقبكم ، والحكيم
فيما يكلفكم ( 5 ) .
فإذا كان الله قد نهى على لسان أنبيائه عن عبادة الأصنام والصالحين من الأنام ،
على نحو عبادة الصلاة والصيام ، ففعلهم بعد ذلك رد لكلام العليم العلام .
وكشف الحقيقة : إن العبادة إن أريد بها مجرد الامتثال والطاعة ، كانت الزوجة ،
والأمة ، والعبد ، والخادم ، والأجير ، ونحوهم ، عابدين لغير الله .
وإن أريد الامتثال والانقياد للعظيم في ذاته ، المستوجب للطاعة ، لا بواسطة أمر
غيره ،
هامش
( 1 ) في المطبوع : للفرق بين الأمر والاتباع ، والقول بمجرد الاختراع والابتداع .
( 2 ) القرآن الكريم : 11 / 87 ( سورة هود ) .
( 3 ) القرآن الكريم : 12 / 39 - 40 ( سورة يوسف ) .
( 4 ) القرآن الكريم : 14 / 9 ( سورة إبراهيم ) .
( 5 ) أوردها أحمد بن علي الطبرسي ( من علماء القرن الخامس الهجري ) في كتاب
الاحتجاج : 1 / 26 .