سُلافُ الخائرِ من كل شيء لأنَّ تَصْفيتَهُ تَنْشأ حالاً بعد حال ووصْفُ القديمِ جَلَّ وَعَزَّ بأنه رَبٌّ وبأنه مالكٌ وبأنه سَيِّدٌ يرجع إلى المعنى قادرٍ إلا أنه يُفِيدُ فوائدَ مختلفةً في المَقْدُور فالرَّبُّ القادِرُ على ماله أن يُنْشِئَه من غير جهة الاستعارة وذلك أن الوكيلَ والمُسْتَعير لهما أن يُنْشِئَا الشيءَ إلا أنه على طريقة العارية وهي مخالفة لطريقة المِلْكِ والصَّفُوحُ المتجاوز عن الذنوب يَصْفَحُ عنها والحَنَّانُ ذو الرحمة والتَّعَطُّف والمَنَّانُ الكثير المَنِّ على عباده بمظاهرته النَعَمِ والفَتَّاحُ الحاكم والدَّبَّانُ المُجازِي والدِّيُن بمعنى الجزاء معروف في اللغة يقال كما تَدِينُ تُدانُ أي كما تَجْزِي تُجْزَى وقال الشاعر :
واعْلَمْ وأَيْقِنْ أَنْ مُلْكَكَ زائلٌ * واعْلمْ بأنَّ كما تَدِينُ تُدان
كأنه قال كما تَصْنَعُ يُصْنَعُ بِكَ وقال كَعْبُ بن جُعَيْل :
إذا ما رَمَوْنا رَمَيْناهُمُ * ودِنَّاهُمُ مِثْلَ ما يُقْرِضُونا
وقال عز وجل : " فلَوْلا إنَّ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِيِنينَ " أي غير مَجْزِيِّينَ وقال : " كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدِّيِن " أي بالجزاء ومنه : " وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ " أي الجَزاءَ وقد يقال الدِّينُ بمعنى الدَّأَبِ والعادةِ قال الشاعر :
تَقُولُ إذَا دَرَأْتُ لها وَضِيني * أَهذا دِينهُ أَبَداً وديِني
أي عادتُه وعادتي والدِّينُ المِلَّة من قولك دِينُ الإسلامِ خَيْرُ الأديانِ والدِّين الانْقِيادُ والاستسلامُ من قول العرب بَنُو فلانٍ لا يَديِنُونَ للمُلوُكِ وقيل في دينِ المَلِكِ في طاعة الملك وتصريفه دَانَ يَدِينُ دِيناً وتَدَيَّنَ تَدَيُّناً ودِيانةً واسْتَدانَ من الدَّيْنِ استِدانَةً وداينَه مُدَاينةً قال الشاعر :
دَايَنْتُ أَرْوَى والدُّيُونُ تُقْضي * فَمطَلَتْ بَعْضاً وأَدَّتْ بَعْضا
أي مَنَحْتُها وُدِّي لِتَجْزِيَيني عليه فهذا يدل أن أصلَ الدِّينِ الجَزاءُ وقيل أصلُ الدِّينِ الانقيادُ والاستسلامُ وقيل أصله العادةُ وإنما بَنُو فلانٍ لا يَدينونُ للملوك أي لا يَدْخُلُونَ تحتَ جَزائهم وقوله :
أهَذا دِينهُ أبَداً ودِيني
المخصص — صفحة 155
مساهمون: ابن سيده
ص١٥٥