الضرورية على أسس تجريبية واستقرائية ؟ !
والجواب : أن العلم نفسه قد أجاب عن هذا السؤال بالتنازل عن فكرة
الضرورة في القانون الطبيعي ، وتوضيح ذلك : إن القوانين الطبيعية يكتشفها العلم
على أساس التجربة والملاحظة المنتظمة ، فحين يطرد وقوع ظاهرة طبيعية عقيب
ظاهرة أخرى يستدل بهذا الاطراد على قانون طبيعي ، وهو أنه كلما وجدت
الظاهرة الأولى وجدت الظاهرة الثانية عقيبها ، غير أن العلم لا يفترض في هذا
القانون الطبيعي علاقة ضرورية بين الظاهرتين نابعة من صميم هذه الظاهرة
وذاتها ، وصميم تلك وذاتها ، لأن الضرورة حالة غيبية ، لا يمكن للتجربة ووسائل
البحث الاستقرائي والعلمي إثباتها ، ولهذا فإن منطق العلم الحديث يؤكد أن القانون
الطبيعي - كما يعرفه العلم - لا يتحدث عن علاقة ضرورية ، بل عن اقتران مستمر
بين ظاهرتين ( 1 ) ، فإذا جاءت المعجزة وفصلت إحدى الظاهرتين عن الأخرى في
قانون طبيعي لم يكن ذلك فصما لعلاقة ضرورية بين الظاهرتين .
والحقيقة أن المعجزة بمفهومها الديني ، قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي
الحديث مفهومة بدرجة أكبر مما كانت عليه في ظل وجهة النظر الكلاسيكية إلى
علاقات السببية .
فقد كانت وجهة النظر القديمة تفترض أن كل ظاهرتين اطرد اقتران إحداهما
بالأخرى فالعلاقة بينهما علاقة ضرورة ، والضرورة تعني أن من المستحيل أن
تنفصل إحدى الظاهرتين عن الأخرى ، ولكن هذه العلاقة تحولت في منطق العلم
الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطرد ( 2 ) بين الظاهرتين دون افتراض تلك
الضرورة الغيبية .
هامش
( 1 ) وقد بسط الشهيد الصدر القول في هذه المسألة في كتابه فلسفتنا فراجع ص 295 و 299 .
( 2 ) راجع فلسفتنا : ص 282 وما بعدها .