جاء العلم ليثبتها ويدعمها ؟
فإذا كنا نؤمن بهذا كله ، فلماذا نستكثر على مرسل هذه الرسالة - سبحانه
وتعالى - أن يسبق العلم في تصميم عمر المهدي ؟ ( 1 ) وأنا هنا لم أتكلم إلا عن
مظاهر السبق التي نستطيع أن نحسها نحن بصورة مباشرة ، ويمكن أن نضيف إلى
ذلك مظاهر السبق التي تحدثنا بها رسالة السماء نفسها .
ومثال ذلك أنها تخبرنا بأن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد أسري به ليلا من المسجد الحرام
إلى المسجد الأقصى ، وهذا الإسراء ( 2 ) إذا أردنا أن نفهمه في إطار القوانين الطبيعية ،
فهو يعبر عن الاستفادة من القوانين الطبيعية بشكل لم يتح للعلم أن يحققه ( 3 ) إلا بعد
مئات السنين ، فنفس الخبرة الربانية التي أتاحت للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التحرك السريع
قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك ، أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمر المديد ، قبل
أن يتاح للعلم تحقيق ذلك .
نعم ، هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريبا في
هامش
( 1 ) إشارة إلى أن هذا من قبيل الإعجاز أيضا ، وهو إفاضة ربانية خاصة ، وهذا أمر لا يسع
المسلم إنكاره ، بعد أن أخبرت بأمثاله الكتب السماوية ، وبالأخص القرآن ، كالذي ورد في شأن
عمر النبي نوح ( عليه السلام ) ، وكذا ما أخبر به القرآن من المغيبات الأخرى ، على أن كثيرا من أهل
السنة ومن المتصوفة وأهل العرفان يؤمنون بوقوع الكرامات وما يشبه المعجزات للأولياء
والصلحاء والمقربين من حضرة المولى تعالى . راجع : التصوف والكرامات / الشيخ محمد جواد
مغنية . وراجع : التاج الجامع للأصول 5 : 228 / كتاب الزهد والرقائق - الذين تكلموا في المهد .
( 2 ) إشارة إلى الآية المباركة : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى . . . ) الإسراء : 1 .
( 3 ) إشارة إلى تصميم المركبات الفضائية ، وركوب الفضاء والتوغل إلى مسافات بعيدة عن
أرضنا ، وقطعها في ساعات أو أيام معدودة ، وقد أضحت هذه حقائق في حياتنا المعاصرة في
أواخر القرن العشرين .