قلبه بشيء عبدا له ، وإنّما العبد الحقّ للَّه تعالى من أعتق أوّلا من غير اللَّه تعالى فصار حرّا مطلقا فإذا تقدّمت هذه الحرّيّة صار القلب فارغا فحلَّت فيه العبوديّة للَّه فتشغله باللَّه وبمحبّته وتقيّد باطنه وظاهره بطاعته فلا يكون له مراد إلا اللَّه تعالى ثمّ قد يجاوز هذا إلى مقام أسنى منه يسمّى الحرّيّة وهو أن يعتق أيضا عن إرادته للَّه من حيث هو هو بل يقنع بما يريد اللَّه له من تقريب أو إبعاد فتفنى إرادته في إرادة اللَّه عزّ وجلّ وهذا عبد عتق عن غير اللَّه تعالى فصار حرّا ثمّ عاد وعتق عن نفسه فصار حرّا وصار مفقودا لنفسه وموجودا لسيّده ومولاه ، إن حرّكه تحرّك وإن سكَّنه سكن وإن ابتلاه رضي لم يبق فيه متّسع لطلب والتماس واعتراض بل هو بين يدي اللَّه كالميّت بين يدي الغاسل وهذا منتهى الصّدق في العبوديّة فالعبد الحقّ هو الَّذي وجوده لمولاه لا لنفسه وهذه درجة الصّدّيقين ، وأمّا الحرّية عن غير اللَّه فدرجات الصّادقين وبعد هذا يتحقّق العبوديّة للَّه وما قبل هذا فلا يستحقّ صاحبه أن يسمّى صادقا ولا صدّيقا ، فهذا هو معنى الصدق في القول . الصّدق الثاني في النيّة والإرادة ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا اللَّه عزّ وجلّ فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النيّة وصاحبه يجوز أن يسمّى كاذبا كما روينا في فضيلة الإخلاص من حديث الثلاثة حين يسأل العالم « ما ذا عملت في ما علمت فقال : فعلت كذا وكذا فقال اللَّه عزّ وجلّ : كذبت أردت أن يقال : فلان عالم » فإنّه لم يكذّبه ولم يقل له : لم تعمل ولكن كذّبه في إرادته ونيّته ، وقال بعضهم : الصّدق صحّة التوحيد في القصد ولذلك قال اللَّه تعالى : « والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون » ( 1 ) وقد قالوا : « إنّك لرسول اللَّه » ( 2 ) وهذا صدق ولكن كذّبهم لا من حيث نطق اللَّسان بل من حيث ضمير القلب وكان التكذيب يتطرّق إلى الخبر وهذا القول يتضمّن اخبارا بقرينة الحال إذ صاحبه يظهر من نفسه أنّه يعتقد ما يقوله فكذب في دلالته بقرينة الحال على ما في قلبه فإنّه كذب في ذلك وإن لم يكذب فيما يلفظ به فيرجع أحدهما في الصدق
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 143
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٤٣
هامش
( 1 ) المنافقون : 2 .
( 2 ) المنافقون : 2 .