تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
كتاب آفات اللسان وهو الكتاب الرّابع من ربع المهلكات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم الحمد للَّه الَّذي أحسن خلق الإنسان وعدّ له ، وألهمه نور الإيمان فزيّنه به وجمّله ، وعلَّمه البيان فتقدّمه به وفضّله ، وأفاض على قلبه خزائن العلوم فأكمله ، ثمّ أرسل عليه سترا من رحمته وأسبله ، ثمّ أمدّه بلسان يترجم عمّا حواه القلب ويقبله ، ويكشف عنه سرّه الَّذي أرسله . فأطلق بالحمد مقولة ، وأفصح بالشكر عمّا أولاه وخوّله ، من علم حصّله ونطق سهّله ، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله الَّذي أكرمه وبجلَّه ، ونبيّه الَّذي أرسله بكتاب أنزله ، وتبيان فصّله ، ودين سهّله . صلَّى اللَّه عليه وآله وأصحابه ومن قبله ، ما كبّره عبد وهلَّله . أما بعد فإنّ اللَّسان من نعم اللَّه العظيمة ولطائف صنعه الغريبة فإنّه صغير جرمه ، عظيم طاعته وجرمه ، إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللَّسان ، وهما غاية الطاعة والطغيان ، ثمّ إنّه ما من موجود أو معدوم ، خالق أو مخلوق ، متخيّل أو معلوم ، مظنون أو موهوم إلا واللَّسان يتناوله ويتعرّض له بإثبات أو نفي ، فإنّ كلّ ما يتناوله العلم يعرب عنه اللَّسان إمّا بحقّ أو باطل ، ولا شيء إلا والعلم متناول ، له ، وهذه خاصيّة لا توجد في سائر الأعضاء ، فإنّ العين لا تصل إلى غير الألوان والصّور ، والأذن لا تصل إلى غير الأصوات ، واليد لا تصل إلى غير الأجسام وكذا سائر الأعضاء ، واللَّسان رحب الميدان ليس له مردّ ولا لمجاله منتهى ولا حدّ فله في الخير مجال رحب ، وله في الشرّ مجرى سحب فمن أطلق عذبة اللَّسان وأهمله مرخى العنان